| |
أنا سيدة نفسي ومديرتي وجلادتي
حوار مع حسان الزين
مجلة زهرة الخليج
أشعر بأنك نشيطة جداً، وأسأل نفسي دائماً عن السبب. كأنك أكثر من شخص واحد ...
أنا فعلا أكثر من شخص واحد، فغالبا ما أردد أني سبعة في امرأة، والسبعة مختلفات، صعبات، متطلّبات، يتخاصمن بلا انقطاع، ونادرا ما أعيش لحظة وفاق بينهنّ. أمضي حياتي متنقّلة بخفّة بين واحدة وأخرى، بحسب الظرف الذي أعيشه، و هذا ال قفز بيني وبيني هو نوع من الخروج على التماثل الباهت اللذي ت فرضه الحياة اليومية وتفاصيلها . في تعدديتي قوتي وضعفي على السواء، وهي عميقة ومتجذرة في روحي وجسدي، و قد لا استطيع ان اواصل حياتي اذا خنت ُ أيّا من النساء السبع اللواتي يقمن فيّ، واللواتي هنّ أنا وهنّ بناتي في الوقت نفسه، وربما أمهاتي ايضا. لِمَ كل هذا النشاط، تسألني؟ لأني في حاجة مستمرة الى أن أتجاوز نفسي وأتحداها وأنهكها. أحبّ هذا التنوّع: يريحني لأنه يجعلني في حال دوار. ثم يجب ان أعترف أني امرأة نهمة، اهتماماتي كثيرة، ومن الضروري أن أطعمها كلّها.
ألا تتعبكِ هذه الكثرة؟
بلى، ولكن رغم كل التعب والتمزّق لا أحلم بأن أندمج يوما لكي أصير واحدة، بل على العكس، أتوق الى أن تمعن نسائي في التكاثر، وأن ينجبن بدورهنّ حتى أصير جدّة، لا بل ملكة لرعية كاملة! الحشد جميل، وإن كان موحشا، وكل إنسان برج بابل ذاته. ثم إن هويتي مفتوحة على احتمالات لا تُحصى بفضل هذا التنوّع، وهي دائمة التموّج والتحوّل ليس لأنها تؤمن أنّ التغيّر حقّها فحسب، بل لأنها تدرك انه شغفها أيضا: فأنا لا اريد ان أنحصر وأتحدد بطبع أو بلغة أو بجسد او بإسم أو بصفة أو بحقل، وأتوق دائما الى التفلّت من التعريفات التقليدية المقررة سلفا، والى اعادة اختراع نفسي بأقصى درجة ممكنة من الحرية، من دون ان أجرجر ورائي ما كنته وما آمنت به وما أحببته وما فعلته أمس، وكأنها سجون تطاردني الى المستقبل.
أنت غزيرة : هل حياتك ِ غزيرة إلى الحد الذي يبدو فيه نشاطك الكتابي؟ أين الحياة، العيش، في اهتمامك وأولوياتك؟
كتابتي مرآة حياتي والعكس صحيح. اي أنها حين تمطر هنا، لا بدّ تمطر هناك أيضا. هذه المرأة التي تلتهمها الكلمات، تلتهم بدورها المشاعر والتجارب والناس. لستُ على هامش الحياة، ولا أهرب منها الى الكتابة، بل أرتمي عليها بكل ما أوتيت من لهفة وحماسة وعزم واشتهاء. الكتابة عندي رغبة، والحياة رغبة، وأجني من الاثنتين نشوات حسية جامحة. أي أن كتابتي غزيرة لأنّ حياتي بالذات غزيرة. لذلك سأقول لك إني أحبّ حبيبي في لقاءاتنا، بقدر ما أحبّه على اوراقي، وأتحدّى الحواجز في يومياتي بقدر ما أتحداها في قصائدي، وأذوب وأغضب وأعصى وألين وأشتعل و"أخرمش" جسدياً و"حياتياً"، بقدر ما أفعل ذلك شعريا. المادة عندي لا تنفصل عن الروح، ولا الكلمة عن لحظتها المعيشة، ولا الشرارة عن الحريق الذي ينتج منها. أعيش الحياة بكل النهم الذي يعتريني إزاء الكتابة، و قصيدتي أ مينة لما اعيشه في داخلي ولما أفكر فيه.
أقرأ فيك وحدة غريبة : ليست عزلة ولكن غربة . أتكونين تهربين من ذلك، وكأن ثمة خوفاً يطاردك أو تطاردينه ؟
الخوف الذي تتحدث عنه موجود، وهو يثيرني ويستفزني. بسببه نسبة الأدرينالين عندي دائمة الارتفاع، بسببه أركض وأركض حتى تكاد تنقطع أنفاسي، وآمل ألا يكف يوما عن مطاردتي، فأنا لا أحب الطمأنينة ولا اليقين. بقدر ما تزداد الحياة شراسةً تزداد شراستي في عيشها وتلذذي بالقلق الذي تمنحني. الغربة أيضا موجودة فيّ، وهي بيني وبيني بقدر ما هي بيني وبين العالم. الغربة إحساس مغن، يجعل القلب يغرورق بمشاعره وتجاربه بدل أن يهرقها، ويجعلنا نمشي في نفقنا الداخلي باحثين عن يدٍ ما تلمع في العتمة.
هذا الإحساس بالغربة ، أراك تهاجمينه وإنما من الخلف، بشكل مفاج ىء. أأنت ِ شخص يحب المفاجآت، ينتظرها، يتوقعها، يبحث عندها ويستدعيها ؟
أعشق المفاجآت. أن أمنحها وأن أعيشها على السواء. أحب أن أفاجىء نفسي ايضا، لذلك لا أغالي في استكشاف دواخلي. حدثتكَ للتو عن الغربة القائمة بيني وبيني. لا أعرف لماذا الناس مسكونون الى هذا الحدّ بهاجس "معرفة الذات" وفهمها. أنا لا أريد أن أعرف ذاتي بأدق تفاصيلها. يكفيني منها ما يتراءى لي كلما انفتح باب تجربة جديدة. عندما تتخاصم النساء اللواتي فيّ، عندما تبكي الطفلة أو تنهر القاضية أو تتدلل المغناج أو تتأوه الشيطانة، لا أحاول ان أعرف دوافعهنّ، أو أن أحلل أبعاد تصرفاتهن. إنني أعيشهن فحسب. أفلت لهنّ العنان. أنغمس حتى آخر رعشة في الحالة التي تدهمني بسببهنّ. أفسح لنفسي أن أندهش من ردة فعلي على هذه المسألة أو تلك، أن أتعجّب من ولادة شغف أو إيمان أو احتمال أو اهتمام أو فكرة جديدة، لم تكن موجودة في الأمس، وربما لن تظل موجودة بعد سنة من الآن. أحبّ أن ابدأ من جديد كل لحظة، حتى عندما أكرّر نفسي. أنا إذا أرضٌ خصبة ومضيافة للمفاجآت.
لمَ، ما الجدوى؟
لأن الحياة هي ما يحصل لنا منها ولا نكون في انتظاره. ما ننتظره "لطيف"، يلوح في الأفق، يقف عند العتبة، يقرع الباب بتهذيب فنفتح له بدرجة معينة من اللهفة ويدخل. أما ما لا ننتظره فقاطع طرق: لا يلوح، بل يهجم. لا ينقر على النوافذ بل يخلعها. لا نفتح له بل يحتلنا احتلالا. إن الفرق بين المنتظَر والمفاجىء يشبه تماما الفرق بين العشيق الذي يطلب قبلة، وذاك الذي لا يطلب بل يمدّ جوعه ويأخذ: أنا طبعا منحازة الى الثاني. المفاجأة نظرة ساخنة تخترق عزلتنا. أصابع لم نكن نتوقع حريقها على بشرتنا. حبّ أسرع من أن نقول نعم. شهوة اقوى من أن نقول لا.
من تقرئين هذه الأيام؟
أقرأ الآن الرواية الأخيرة التي أصدرها غبرييل غارثيا ماركيز منذ نحو شهرين، وهي في عنوان "ذكرى عاهراتي الحزينات". إنها الرواية الأولى له بعد صمت دام عشر سنين، لم يُصدر خلالها سوى الجزء الأول من مذكراته. يتناول الكتاب موضوع العشق عند المتقدمين في السنّ، ويروي قصة تسعينيّ يقرر أن يهدي نفسه في عيد ميلاده ليلة حبّ مجنونة مع مراهقة عذراء، فيقع في الغرام كمراهق. تذكّرني الرواية الى حد بعيد برائعة كواباتا، "الجميلات النائمات".
هل من كاتب/شاعر تعودين إليه؟
غالبا ما أعود الى السورياليين الفرنسيين، ولا تفارق جوار سريري مجموعات رينيه شار وبول ايلوار تحديدا: أفتح إحداها على غير هدى صباحا مع فنجان قهوتي، فأقرأ ما يرد في هذه الصفحة أو تلك وأفسّرها كأنها رسالة خاصة يوجّهها الشاعر لي في ذلك اليوم.
ماذا تفعلين ثقافياً غير الكتابة والقراءة؟
في الدرجة الأولى أدرس اللغات، وهي ولعي منذ طفولتي. فبعد الإيطالية والإسبانية اللتين انكببتُ عليهما على التوالي خلال الأعوام الماضية، أحاول الآن تمتين لغتي الألمانية من خلال متابعة دروس متقدمة فيها، وهي لغة صعبة وينطوي إتقانها على تحديات كثيرة، مما يتلاءم مع طبعي المفتون بتفتيت الصخور. أحضّر أيضا لشهادة دكتوراه في الترجمة الشعرية، وموضوعها أعمال ارتور رامبو المترجمة الى العربية، من خلال مقارنة دقيقة وشاملة بين ترجمتي خليل الخوري وكاظم جهاد.
لا أشعر بأنك ميالة إلى الكلام والحروب الأدبية النسائية وما إلى ذلك : أهذا صحيح، كأنك أنثى أكثر مما أنت إمرأة؟
صحيح، وغالبا ما أردد أني لا أحب الشعارات الصاخبة، التي تحسّسني بـ"الكلوستروفوبيا"، خصوصا النسوية منها، وتلك التي تضع خطا فاصلا بين كتابة المرأة وكتابة الرجل. أنا ضد تصنيف الشعراء ذكورا وإناثا. فالشعر لا يرتدي الفساتين ولا يحلق ذقنه ولا يضع احمر الشفاه ولا يذهب الى الخدمة العسكرية. لستُ أعني أنه روح بلا جسد، بل هو كائن جنسي بامتياز، لكنه لا يحتكر جنسا دون آخر، لأنه يجسّد اجتماع الذكورة وال أ نوثة معاً. من جهة اخرى أنا مع الأنوثة ضد النسوية، و علاق تي بالرجل ليست حرباً و ليس من همومي الحلول مكانه. أراه ندّي وشريكي وحبيبي، و لست معنية بالترويج ل أي هي م نة نس ائ ية ، وذلك ما اردتُ قوله ايضاً عبر مجموعتي الأخيرة "عودة ليليت".
تبدين في نص ّ ك كأنك في غير زمن، في عدة أزمان . أتؤمنين بأن الكتابة نوع من الخلود، خصوصاً أن الكتاب والشعراء ما عادوا نجوماً؟
لا، لا أرى الكتابة خلودا بل سفرا، وذلك على الأرجح سبب عيش نصي في اكثر من زمن، على غرار عيشه كذلك في أكثر من مكان. ليست الكتابة خنجرا أطعن به فكرة الموت، فهذا الشبح لا يؤرقني، أقله ليس في الوقت الحاضر. إلا أن الكلمة شكل من اشكال تحدّي محدوديتي، وكسر القيود التي تحتجزني في هاتين اللحظة والبقعة بالذات. هي خروج على كل ما يحصرني، وصفعة على خدّ طبيعتي الانسانية الضيّقة، اي أنها تحرر وانفلات وتحليق بالنسبة لي أكثر مما هي وسيلة "بقاء".
سؤال يراودني دائماً: يشعر قارؤك بأنك جريئة بينما يحس الناظر إليك أنك خج ولة أو "تقليدية" : لم هذا التناقض ؟ أفي ذلك حماية لنفسك وللخصوصية من الآخرين، أم شيء من الماضي؟
أنتَ قلتها: يحسّ "الناظر إليّ" أني تقليدية، فمن أين يُعطى لذاك "الناظر" إليّ أن يعرفني؟ من أين له أن يلمس مدى جرأتي وجنوني وتطرّفي؟ الناظر إليّ معوّق، معوّق بحدود نظرته الخارجية، وهو لا يقدر أن يكون عارفي ولا مكتشفي. سبق أن قلتُ لك أني ونصّي واحد: لا تناقض بيننا، وربما هذا الانطباع الذي تتحدّث عنه ناجم عن استهوال القارىء احتمال أن أكون متطابقة مع نصّ بهذا العنف. لكنّي اسأل ايضا: ترى ماذا يتوقّع القارىء من شاعرة نصّها جريء؟ هل يفسّر جرأتها بأنها لا بدّ توزّع خبز شهوتها كالإعاشة على المحتاجين؟ هل ينتظر منها فحشٌ صارخ في اللباس والسلوك والخطاب، يتطابق مع الصورة التي قد يرسمها بعض المرضى عنها؟ للأسف، نحن نحكم غالبا على القشور، ونقيّم الجرأة بتجلياتها الخارجية لا بطرق عيشنا الحميم، الداخلي، الخاص، لها. ناهيك بأننا غارقون في الكليشيهات حتى أذنينا: ففي أحكامنا ان الجميلة المثيرة تفتقر الى الذكاء، وأن الجريئة القوية تفتقر الى الخفر، وأن المثقفة العقلانية تفتقر الى حسّ الفكاهة، وهكذا دواليك... طبعا أنا اكتب عن جسدي ، فهو جزء أساسي منّي وهو حقل تجاربي و ميدان عيشي للحياة . هو الأرض التي تستقبل في رحم ترابها، الشمس والقمر والمطر والريح والنهر والعصافير والناس. وحتى عندما أكتب، أشعر أنني أكتب بجسدي وعليه، وأن كلماتي تنفجر من مسامي وتنحفر على جلدي نفسه. الكتابة بالنسبة لي تجربة فيزيولوجية بقدر ما هي نفسية. لكني أفعل ذلك نتيجة صدقي إزاء نصي: فأنا امرأة نارية وحرّة، وفي حياتي ويومياتها لا تنفصل ذاتي الحميمة عن جسدي الحميم: كل منهما وجه للآخر وتوأمه وشريكه في "ارتكاب الجرائم".
ما هي الحرية عندك؟
هل يمكنني تحديدها وهي الواقعة خارج منطق التحديدات بامتياز؟ حريتي، أعيشها. هي كوني أنا سيدة نفسي ومديرتي ورئيسة جمهوريتي وملكتي، وجلادتي أيضا وخصوصا. هي أني أقول "نعم" عندما تكون الـ"نعم" خياري" و"لا" عندما اكون مقتنعة بضرورة الرفض. هي أني أفلت العنان لجنوني، من دون ان ألحق الأذى بآخرين. هي أني أشرب من النبع الذي أشتهي من دون أن تكبّلني عقد الذنب أو سلاسل الخوف أو مشاعر الندم. هي أني أقول ما اريد قوله من دون ان احسب حسابا إلا لصدقي إزاء كلماتي. حريتي هي حبّي.
وما الحب إذن؟
ما زلت أكتشفه... ما زلت اتعلّم. أكتشف وجوهه التي لا تحصى في وجه الرجل الذي أحبّ، وأتعلّم كيف احترق بناره مطالبةً بالمزيد والمزيد... فمثلما الجوع خطيئة الشبع أيضا خطيئة، ومع الحبّ هناك دائما أكثر. هناك دائما أقوى. هناك دائما أعنف. ذلك هو الحبّ على الأرجح: ما نظل نتعلّمه ونكتشفه من دون ان نقبض عليه بالكامل: الناقص لكي نحلم، لكي نتوق، لكي لا نصدّق، لكي نروح أبعد وأعمق.
إلى أي مد ى تعيشين كإمرأة، بتفاصيل الحياة عموماً؟
أعيش أنوثتي بكل خلاياي ولدي الكثير من هواجس تلك الأنوثة وحاجاتها ومتعاتها. أنيقة، أحب الاهتمام بمظهري، وأنفق من المال على الكريمات والثياب بقدر ما أنفق منه على شراء الكتب وغيرها من أدوات السهر على "الداخل". عادلة في الاهتمام الذي أوليه للمظهر والجوهر على السواء، فلا تكون غلبة للواحد منهما على حساب الثاني. أذهب باستمرار لدى مصفف الشعر وخبيرة التجميل وأحدّق في المرآة أحيانا وتؤرقني الخطوط الصغيرة التي قد أرصدها حول عينيّ. مغناج، أحتاج الى أن يدللني حبيبي ويمسّد شعري ويغازلني، بقدر ما ادلّـله أنا بدوري وأخترع من اجله كل يوم جنونا من نوع جديد. أعشق الرقص، وغالبا ما أبكي عندما أذهب الى السينما، إذ لا يخلو فيلم من موقف مؤثر يهزّني. أفرح عندما يلتـفت رجلٌ ما عند مروري في الشارع بقدر ما أفرح عندما يلتـفت قارىء غريب عند نص لي. إبنة محبّة، عاشقة شغوفة، أختٌ حنونة، وأمّ "أوريجينال": هكذا يصفني ولداي، أميراي الرائعين منير وأنسي، وكم أشعر بالدفء لحظة يهمس لي إبني الصغير قبل أن يغفو: "ماما هل تتزوجينني عندما أكبر؟"...
وكيف علاقتك بالآخرين، بالناس؟
أنا محظوظة إذ أعيش علاقات كثيرة فريدة من نوعها في حياتي. لا ابالغ إن قلتُ ان عندي أصدقاء وأحبّة على كل أرض وطأتها. علاقتي مع العالم الخارجي قوية وغنية، ونادرا ما أسافر مثلا من دون أن أعود وقد غنمتُ علاقة جديدة متوهّجة. ربما نكون التقينا مرة واحدة، لكن المرّة الواحدة أكثر من كافية عندما يكون شخصان ينتميان الى الكوكب نفسه. أترك المصادفات تقودني الى أهل هذا الكوكب، كوكبي، وهي نادرا ما تخيّبني. أواظب على مراسلة بني عالمي، وبعضهم يأتي أحيانا لزيارة لبنان. ناهيك بأصدقائي هنا، وهم بمعظمهم من الرجال، رغم أن عندي ثلاث أو اربع صديقات مقرّبات من النساء. للأسف، لقد اكتشفتُ في حياتي أن كارهة المرأة الأقسى والأعنف هي المرأة نفسها، ولكن ثمة بعض النماذج الإستثنائية اللواتي يتحدين هذه القاعدة وهنّ يشكّلن كنزا حقيقيا في حياتي. إلا أن ثقتي بأصدقائي الرجال هائلة وتواطؤي معهم شبه فطري. لا حذر معهم ولا مراعاة ولا قيود.
هل فك ّ رت ِ في مغادرة بيروت، أو العيش بعيداً منها، خصوصاً أنك ِ منفتحة على العيش العالمي واللغات؟
رغم كون علاقتي مع العالم الخارجي متينة، مثلما قلت للتو، إلا انني لا اشعر اني استطيع العيش خارج لبنان. وليس ذلك ناجما عن وطنية ما أو عن تعلّقي ببلدي، فأنا امرأة بلا جذور ولست "لبنانوية" على الاطلاق، بل إن أرضي عبارة عن "بازل" مؤلفة من مجموعة بقاع أحبها وأنتمي إليها وهي موزّعة في كل أنحاء العالم. لكني مرتاحة هنا، بكل بساطة، بين تفاصيلي وعملي ويومياتي وعاداتي، السيئة منها والجيدة على السواء. ثم إنني أسافر كثيرا، وأحبّ هذين الذهاب والعودة المستمرين. حركة الذهاب والاياب، حركة المد والجزر، هي الإيقاع الذي يشبهني ويتلاءم مع طباعي ومزاجي. صحيح أني أعشق باريس الى اقصى الحدود، لكني أخشى إن اقمتُ فيها أن أملّها وأخسر افتتاني بها.