| |
أنا مواطن من العـالم
ماريو فارغاس يوسا
الكتابة اسلوب رائع للهو، اذ انها تتيح لنا استكشاف أسرار العالم واللغة بألذ طريقة ممكنة، ويمكننا في طور لهونا هذا أن نسبر طبقات غامضة من الحياة ليست في متناول المعرفة العقلانية والذكاء المنطقي، أي هاويات التجربة التي لا يمكن أحدا الانحناء عليها من دون أن يعرّض نفسه لأخطار جدية ، على غرار الموت والجنون.
حين حاولت اليوتوبيات ان تتجسّد في الواقع خلقت جهنّمات كثيرة، لكنّ بعض عناصرها هي التي نجحت شيئا فشيئا في تغيير العالم.
هل كان فرانكو ليظهر لولا الإسبان؟ وهتلر لولا الألمان؟ وماو لولا الصينيين؟ في إمكان جميع الشعوب أن تقاوم عند نشوء نظام ديكتاتوري ما. لكنّ الحقيقة هي أن معظم المستبدين ينجحون لبعض الوقت في جذب شريحة كبيرة من الشعب وإبهارها. الطغاة يأتون لأنه يُـنادى عليهم.
بعد سقوط جدار برلين، كثرا كنّا نحن الذين آمننا بقرب حلول ثقافة شمولية متسامحة وديموقراطية. كانت تلك يوتوبيا فحسب. لكنّي ما زلتُ مؤمناً بالأدب الملتزم، وبواجبنا الأخلاقي في المشاركة في حياة المدينة. ويؤسفني أن يكون الكتّاب المنتمون الى المجتمعات الديموقراطية المتطورة قد عدلوا عن التدخل بحجة أن خطوة كهذه هي في غاية الطموح أو في أقصى السذاجة.
إنني من البيرو، حيث ولدت، ومن اسبانيا وانكلترا وفرنسا على حد سواء. أشعر بأنني في بيتي في كلّ من هذه البلدان الأربعة حيث اعيش بالتناوب. أنا في الحقيقة مواطن من العالم. أنتمي الى عائلة اولئك الذين لا يكفّون عن البحث. وقد رفضتُ أن أُحتجز في ظرف واحد، ولغة واحدة، ومشهد واحد. قررتُ الخروج من سجن القبيلة، من هذه الإدانة التي تفرضها علينا ظروف ولادتنا بأن نظل كما نحن.
أن نسيطر على اللغة يعني أن نتعلّم كيف نفكّر، وهي أيضاً وسيلة لكي نطوّر حساسيتنا وخيالنا وفكرنا النقدي. لا تهمنّي الفوضى الا في بعدها الفلسفي أو الشعري، أما الكتابة فتتطلب صرامة وانتظاماً.
جميع كتاباتي تخضع لعملية تكوّن طويلة. أترك الأفكار والصور تتخمّر ثم أشرع في الهذيان، أي في إدخال بعض الشخصيات على الفكرة - البذرة. وفي أحد الأيام أكتشف، على نحو شبه عرضي، ان فكرتي تلك أصبحت مشروعاً. آنذاك أبدأ في تدوين الملاحظات، واذا تحوّل المشروع هاجساً، يعني ذلك ان القصّة جديرة باهتمامي.
الرواية تمنح الحياة بعدا استثنائيا. إنها إما تعبير عن حياة لا نملكها ونحلم بها، أو عن الزاوية الأشدّ حلكة ودناءة ومأتمية من التجربة الإنسانية. الرواية لا تروي الحقيقة، وإن أوهمت بذلك. إن الأدب هو مملكة الخيال والفانتازيا والكذب. أما مملكة الحقيقة فهي التاريخ.
تحـذير: لا يسمح لأي كان أخذ هذه المواد دون ذكر مترجمتها جمانة حداد
ومصدر النشر،
وإلا سيُعتبر انتهاكا لقوانين حقوق النشر المرعية.