| |
الغيم المتأهب للانتشاء
لم استطع يوما أن أتحدث عن الشعر كما لو أنه موجود أمامي أو على مسافة موضوعية مني.
فالشعر مقيمٌ فيّ، جنباً إلى جنب مع حواسي، وغرائزي، ولا وعيي .
وإذا كنتُ أقول إني أعيشه فلأني موقنةٌ أنه الرحم الذي يضمّني إليه ويمنحني الشعور بالأمان، لكن الأمان المعذِّب والمضني.
وإذا كنت أعجز عن التعريف به، فلأن الرؤية ستكون شبيهةً بالبركان في لحظة ثورته العمياء، مثلما ستكون جارفة كمياه متفجرة على التو من النبع. هذه الرؤية يصعب الإمساك بها والإدعاء بأنها ستقع في الأسر، وإن كانت لحظة البركان سيهدأ روعها قليلاً وتتحول الى جمر عميق. وإن كانت لحظة النبع المتفتح ستشقّ مجراها، مشيِّدة جسدها وإيقاعاته وموسيقاه بانسجام دقيق ومتكامل .
صحيح أنه كائن مجنَّح، صاعق في جنونه وعبثيته، بل حرّ وحرّ حتى الثمالة، وصحيح أنه توقّ لا إرادي الى مجهول ما، وهو توقٌ لا يبغي وصولاً، لكنه كائن قصديّ أيضاً، وخصوصاً في ما بعد، عندما لا يكتفي بكونه محض لحظة. أي عندما يريد أن يتحقق كمعنى قادر على البقاء بعد انتهاء النشوة. تماماً مثلما ينصنع الضوء بصوّان اللغة اللينة والصابرة بعد أن يومض في عتمة الانسحاب .
وسأكون أمينة للشعر عندما سأعتبره مجازفةً دائمة وكاملة بالذات الداخلية، مثل التحليق في الليل الكامل، أو في الفراغ الكامل، أو في الضوء الكامل، وإن كان هذا يؤدي الى اللارجوع.
سيقول البعض إنه رغبة، وأكاد أقول معهم إنه رغبة حسية أيضاً. صحيح، لكنه رغبة الرغبات، مثل الحب، ما ان يتحقق حتى يشعر صاحبه ان عليه ان يبدأ من جديد. لأنه لا يرتوي.
هو في هذا المعنى بدايةٌ دائمة ومطلقة. والبداية هي دائماً رغباتٌ مطلقة.
وإذ هو مجازفة لا تحسب حساباً لربح أو خسارة، إلا أنه لا يزعم تغيير العالم.
يكفيني منه – ويكفيه – أنه يشعل قمر الحدس والارتياب والعذاب اللذيذ والغيم المتأهب للانتشاء.
تحـذير: لا يسمح لأي كان أخذ هذه المواد دون ذكر كاتبتها جمانة حداد
ومصدر النشر،
وإلا سيُعتبر انتهاكا لقوانين حقوق النشر المرعية.