الشــعر ضد الحرب

 

الشعر ضد الحرب؟ حسناً تفعلون أيها الشعراء. 

حسناً تجمعون القصائد من أنحاء الأرض كلها لتصنعوا بها سوراً منيعاً من الغابات والأنهر والنبضات  والنظرات ليحمي ينابيع الكلمة وأحلام الشجر وشعب العراق.

حسناً تـشـنّون بالشعر حرباً على الحرب .

لكنْ، متى كان الشعر حربياً إلاّ في جاهليات الشعوب ؟

أعرف أنكم تتقدمون لا لتحاربوا

بل لتقاتلوا بسيف دونكيشوتي طواحين الاجرام 

وتبددوا هواءً مسموماً يلوّث نقاء الخيال. 

أعرف أنكم لا تقدرون بالكلمات أن تُسقطوا شعرةً واحدةً من رأس الطغاة المتربعين على عروش استبدادهم.

ولكنْ حبذا لو تستطيعون أيها الشعراء . حبذا لو!

الشعر ضدّ الحرب؟ نعم وحسناً، فلعلّ كلماتكم تكون نجمةً شبيهةً بتلك التي قادت المجوس الى بيت الإله الطفل، فتـقود عالمنا الى مزود السلام والأمل. 

لعل المعجزة تتحقق فيكفّر الشعرعن ذنوب التاريخ كلها ، كأن يمشي جلجلة المسيح في فلسطين،

 وأن يهرع الى جبل لبنان ليرفع عنه إكليل الظلم والهوان، 

وأن يذهب الى أوطان العرب جميعها، 

والى نواحي أفريقيا المضطهدة وجغرافيا العالم الثالث المعذّب،

والى كل أرض يعشش فيها الجوع والفقر والألم، أراضي الليل الهائل حيث لا يستطيع بياض ولا أي إله أن يمحو حلكة الموت.

لعلّه بياضكم يستطيع أيها الشعراء!

لكان سيكون على كلماتكم أيضاً أن تيمّم نواحي بابل ونينوى ونيسابور وبغداد وكربلاء 

لتدمل جروح أرض الطوفان.

لكان سيكون عليها أن تعرّج ناحية قرية جيكور التي احتضنت بدر شاكر السيّاب، 

لتتعطّر بالنشيج الطالع من هناك مع كل قمر ينزّ من قصائد شاعر المطر وأناشيده.

حبذا لو تستطيعون إذاً أيها الشعراء!

حبذا لو تخترعون بكلماتكم يداً ممدودة تضع حداً لفراق بغداد عن دجلتها، 

وتنسج أجنحةً لعصافيرها المشلّعة، 

وتصنع فضاء لهذه النجوم التائهة في عيون أطفالها.

حبذا لو تصفعون بكفّ قصائدكم خدّ الديكتاتور المقيم في كل مكان، 

وتحفرون عميقاً في صحراء العقل البشري الهمجي هذا ،

لعلكم تفجّرون فيها نبع الحبّ والأمل والحقّ.

حبذا لو تكتشفون حجر صوان في هذا البرد الكابوسي ليشعل ناراً تقي أهل العراق 

وجع ليلهم الطويل، وتخيطون غيوماً ترفع ارهاب شمس الوحشة عن بلاد الرافدين.

الشعر ضد الحرب؟ نعم، وحسناً. ولكنْ، متى كان على الشعر أن يحارب، نسأل ؟

متى كان على الشعر أن يحكي، وهو الذي بالكاد نسمعه ونراه في خفوت القلب ؟ 

متى كان عليه أن يكون كفاحياً فيرفع صوته ويمتشق سيف عنفوانه 

وينزل الى الشوارع ليقف في وجه السلاطين والطغاة ؟

الشعر ضدّ الحرب؟ نعم. رغم أن اسلحته ما هي الا صوته الخفيض وبروقه وأقماره ومتاهاته ووجدانه الأرقّ من أفكار الربيع وعزاءه الأعمق زرقةً من مياه الدموع.

الشعر ضدّ الحرب؟ نعم، رغم هذا كله، بل من أجل هذا كلّه، 

لأنه اذا كان لا بدّ من شهادة، 

وإذا كان لا بدّ من أعجوبة، فلنجرّب هذا الترياق القوي ، المخصِب ، المرنِّح، 

هذا الذي يُسمّى الشعر...

 

  تحـذير: لا يسمح لأي كان أخذ هذه المواد دون ذكر كاتبتها جمانة حداد

 ومصدر النشر،

وإلا سيُعتبر انتهاكا لقوانين حقوق النشر المرعية.

رجــوع