مئويـة الكاتب البريطاني جورج أورويـل

"الأخ الأكبـر" ما زال يراقـبنا

جريدة النهار-5-7-2003

"لطالما عرفتُ أني سأكون كاتبا حين اكبر، وقد ادركت الأمر في سنّ مبكرة للغاية، ربما منذ الخامسة او السادسة... واكتشفتُ أيضا في وقت لاحق أن رغبتي القصوى ككاتب تتمثّل في تحويل الكتابة السياسية فنّـاً. فأنا حين اجلس لأكتب، لا أقول لنفسي: ’الآن سوف أنتج عملا فنيّـا‘، بل أمسك القلم لأن ثمة كذبة أريد فضحها، أو واقعة اودّ ان ألفت الأنظار اليها، وجلّ ما يهمّني هو أن أُسمِع صوتي... الا أني من ناحية أخرى عاجز عن تأليف كتاب، او حتى عن كتابة مقال في صحيفة، اذا لم تكن التجربة جمالية بقدر ما هي سياسية".

جورج أورويل، من "لماذا أكتب"

 

         قال عنه الشاعر ستيفن سبندر إنه "البريء بامتياز، أو كانديد القرن العشرين الإنكليزي". ووصفه صديقه وحليفه السياسي ارثر كسلر بـ"النابغة الوحيد وسط أدباء الثورة الإجتماعية بين الحربين العالميتين". اما المفكّر الأميركي نعوم تشومسكي، فيعترف بأنه "نموذج المثقّف المسؤول". لكنّ أدقّ ما يمكن ان يوصف به ربما جورج أورويل (*) هو أنه الكاتب النبوئي والاشتراكي الراديكالي الذي امتشق قلمه سيفا ليحارب تـنّين الأنظمة التوتاليتارية ويفضح فظاعتها وبشاعتها. فإريك ارثر بلير، وذلك اسمه الحقيقي، ولد في الهند في بدايات القرن وعاش حتى منتصفه، أي أنه شهد عددا كبيرا من خيبات هذا العصر ومن انهيار صروحه الإيديولوجية، فاختار طريق الأدب المسيّس وعاش التزامه السياسي كتجربة شبه صوفية. وإذ تستمر صروح إيديولوجية جديدة في الإرتفاع والتصدّع كل يوم في أيامنا هذه، كم يبدو شرعيا ومبررا أن نتذكّر هذا "القديس العلماني" في مناسبة مئويته، وأن يتذكّره معنا العالم بأسره تقريبا، من الولايات المتحدة حيث عُـقدت أخيرا ندوة حول إرثه وتأثيره في جامعة ويلزلي في بوسطن، شارك فيها كتّاب ومثقفون بارزون من امثال سوزان سونتاغ وأندرو سوليفان وكريستوفر هيتشنز ودانييل بل وغيرهم، مرورا بإيطاليا حيث صدرت نصوص غير منشورة له في صحيفة الكورييري ديللا سيرا، وصولا الى النمسا وبريطانيا واسبانيا وألمانيا وحتى نيوزيلندا والهند والبرتغال، من خلال بحوث ودراسات وبرامج اذاعية وطاولات مستديرة وغيرها من النشاطات واللقاءات.   

         أما اللافت في هذه المئوية، فـظاهرة تركيز معظم المقالات الصحافية التي صدرت في المناسبة على ما بات يُـعرف اليوم بإسم "لائحة أورويل"، وهي لائحة كان ارسلها الكاتب الى سيليا كيروان في وزارة الخارجية البريطانية عام 1949، وتتضمن 38 إسماً لشخصيات يتهمها الكاتب بالشيوعية او بالتعاطف مع الشيوعيين، مما عرّض هذه الأسماء لملاحقة أجهزة الاستخبارات الانكليزية يومها. واللائحة، التي اكتُـشِفت بين رسائل كيروان إثر وفاتها، والتي نشرتها صحيفة "الغارديان" كاملةً للمرة الأولى منذ نحو أسبوع، تتضمن اسماء ممثلين بارزين على غرار شارلي شابلن ومايكل ردغريف، وكتّابٍ من امثال نيكولاس مور وجون بوينتون بريسلي، وصحافيين كـبيتر سمولت والكساندر ويرث، وآخرين.

   

         ترى كيف نقرأ جورج اورويل اليوم؟ أنقرأه كروائي كبير أم كصاحب رؤية سياسية أم نقرن الإثنين معا؟ وفي ضوء اي تغيّرات سياسية واقتصادية واجتماعية يمكننا الانحناء من جديد على اعماله؟ أعمالٌ تبدو كأنها كُتبت للتو، كأنها حصاد هذا العصر وكوارثه وجرائمه وآفاته. لا عجب، فأورويل اختار منذ بداياته "الطريق الضيقة"، طريق الكشف والفضح والإصطفاف الى جانب المظلومين. وهي وجهة نظر يتبناها عدد كبير من مجايليه ودارسيه، ومنهم ريموند ويليامز الذي يقول في كتابه "أورويل" إن سمعـة هذا ككاتب وصحافي كانت "ترتكز في شكل رئيسي على تحقيقاته حول الظلم والفقر والأزمة الإقتصادية. وقد منحته استكشافاته وريبورتاجاته الفاعلة هوية محدودة ولكنها ذات خصوصية في العالم الأدبي في تلك الأيام". والحقيقة ان اورويل، الذي كان مرصودا ليصبح موظفا في الامبراطورية البريطانية على غرار والده، نكر مبكرا العالم الذي كان منذورا له واختار طريق الاستقلالية الأدبية والسياسية. فانتقل الفتى الى بريطانيا عام 1907 برفقة والدته، حيث ارتاد مدرسة ايتون النخبوية بفضل منحة دراسية. وقد كان لأستاذه ألدوس هكسلي، صاحب كتاب "عالم جديد شجاع" وأحد روّاد اليوتوبيات المعكوسة، تأثير كبير على صوغ مخيلته ونهجه ككاتب. الا ان اريك ارثر بلير لم يكمل دروسه وانتقل عام 1921 الى بورما حيث التحق طوال خمسة اعوام بالشرطة الامبريالية الهندية. وكانت تجربته البورمية مخيّبة للغاية، لا على الصعيد المهني فحسب، بل أيضا وخصوصا على المستوى الإنساني، وهي تجربة سوف يعرضها في "ايام بورما": كتاب يروي فيه المرحلة التي امضاها في المستعمرة البريطانية، واشمئزازه من النظام الإستعماري ومن استبداديته وخبثه ومعاييره المزدوجة. وقد أثار هذا الاحتكاك المباشر بالامبريالية نقمة الشاب على النظام الاجتماعي والسياسي البريطاني، فترك بورما الى باريس حيث اقام في فندق متواضع جدا في الحي اللاتيني. ومارس في العاصمة الفرنسية أعمالا صغيرة مختلفة لكي يتمكن من إعالة نفسه، فعلّم في مدرسة ابتدائية وغسل الصحون في المطاعم وعاش كالمشردين، مواظبا في الوقت نفسه على الكتابة.

         صدر مقال اورويل الأول في صحيفة لوموند عام 1929، الا انه عاد في العام نفسه الى لندن وعمل مدّة ناقدا ادبيا في مجلة "النيو انغليش ويكلي". وكتب روايتين في تلك المرحلة، لكنه عمد الى حرقهما بعد رفض دور النشر المتكرر لهما. الى أن نجح اخيرا عام 1933 في نشر كتابه الأول "بؤس في بارس ولندن" الذي نقل فيه تجربته في الأحياء الباريسية واللندنية الفقيرة. ومنذ تلك اللحظة اختفى اريك ارثر بلير، وولد الكاتب جورج اورويل.

         حملت المثالية السياسية اورويل في وقت مبكر الى احضان الاشتراكية، الى حد انه ذهب الى اسبانيا عام 1936 ليقاتل ضد فرانكو في صفوف الحزب العمالي للتوحيد الماركسي. الا أن هذه التجربة لم تشكّل سوى خيبة أمل جديدة وقاضية، اذ ساهمت في دفعه الى قطيعة نهائية لا مع اليسار الشيوعي فحسب، بل مع كل اشكال الاشتراكية التقليدية. واثر عودته الى انكلترا، كـتب تحفته "تحية الى كاتالونيا" التي حوّلها اخيرا المخرج كن لوتـش فيلماً تحت عنوان "الأرض والحرية". وقد وصف اورويل في ذلك الكتاب عملية سقوط الهالة عن الشيوعية، وهاجم الشيوعيين الاسبان متهما اياهم بالخيانة وباستغلال الحرب الاهلية للقضاء على اعدائهم السياسيين. وتحدّث بنبرة دانتوية عن جهنم الايديولوجيات الخادعة وتوأمها الخفي، اي شهوة السلطة. ومنذ ذلك الحين، اصبح كل سطر يكتبه، بحسب قوله، مكرّسا لمكافحة التوتاليتاريات.

 

         تتميز لغة اورويل في الدرجة الاولى بعصبها المتوتر ولكن المضبوط بسخرية بريطانية لاذعة. لغة متواضعة ومنسحبة تارة الى حد الانسحاق، وطورا قادرة على اندفاعات استثنائية ودراماتيكية. وتُـظهر كتاباته، حتى في تنوّعها الأسلوبي والمضموني، قدرة صاعقة على التوغل في اعماق النفس وتحليل المجتمع. فكثيرةٌ هي الأمور والظواهر والمفاهيم التي مرّت تحت مبضعه: الاستعمار، والرأسمالية، والتوتاليتارية، وكل الأنظمة الاجتماعية والسياسية التي احتك بها واستحقّت ازدراءه. واذ يؤخذ على اورويل مثاليته الأدبية السياسية، وسيطرة السياسي فيه أحيانا على الأديب رغم سعيه الى التوفيق بينهما وتحقيق "زواج ناجح"، الا انه استطاع في المراحل الأخيرة من كتابته أن يشذّب أدبه من النبرات السياسية الصرفة وأن يعبّر عن خيباته الايديولوجية بتركيزٍ متأن على اللغة والتعبير والخلق الادبي، فتمكّن بذلك من تجسيد توقه الى الالتزام سياسيا من دون التضحية بهويته الأدبية واستقامته الفكرية.

         ورغم صفة الكاتب السياسي التي طغت على الروائي، كان اورويل في الدرجة الاولى أديبا إنسانويا يحلم بتغيير العالم، ولم تكن الكتابة السياسية لديه سوى اداة لإحداث جزء من هذا التغيير. ولطالما كان يشعر بالتناقض المؤلم بين حقوق الانسان والفرد، وقواعد بعض الإيديولوجيات التي تزعم العمل في سبيله. وقد ترجم هذا التناقض خصوصا في كتاب "مزرعة الحيوان" الصادر عام 1945، الذي تصدّى فيه لنظريات روسيا الستالينية التوتاليتارية بامتياز. وهو يتناول في هذه الحكاية الهجائية اسطورة ثورة تشرين وأوهامها من خلال شخصيات بديلة هي حيوانات. وإذ يصّور البلاشفة كالخنازير، تذكّرنا شخصية "نابليون" من جهة بستالين، و"كرة الثلج" الذي يكون مصيره النفي، بتروتسكي. حاول اورويل ايضا في "مزرعة الحيوان" ان يطرح اشتراكية ذات وجه اكثر انسانية، وشكلاً للحكم لا تتعارض فيه الشيوعية مع الحرية. وقد حقق هذا العمل شهرة هائلة له في جميع انحاء العالم، بسبب انتقاده الشرس والفج – رغم الإسقاط على الحيوانات او حتى بسببه – للأنظمة التوتاليتارية واي شكل من اشكال الطغيان والاستبداد وهيمنة الانسان على الإنسان. وهو عمل ينطبق اليوم على كل الديكتاتوريات بلا استثناء. وجدير أن نلفت اخيرا الى أن أربع دور نشر رفضت على التوالي نشر كتاب اورويل هذا، ومنها دار "فابر اند فابر" ممثلةً بـ تي اس اليوت، بسبب عدم انسجام القصّة مع السياسة البريطانية آنذاك. وليس اليسار في الواقع الجهة الوحيدة التي هاجمت الكتاب، بل اليمين بدوره لم يرحّب به بحفاوة، كون أورويل لم يدن الاتحاد السوفياتي لأنه قام بالثورة، بل لأنه خانها. ونضيف أخيرا أن بعض الأطراف عملت بعد وفاة الكاتب على استغلال القصّة محوّرة اياها على طريقتها لخدمة أهدافها السياسية الخاصة، وأبرز تلك الأطراف جهاز الاستخبارات المركزية الأميركية الذي أشرف على تحويل القصة فيلما ولكن مع الكثير من التغيير والتزوير بغية خدمة المصالح الأميركية في الحرب الباردة.   

 

         عام 1948 أنهى اورويل روايته الاخيرة "1984"، التي استوحاها من كتاب "عالم جديد شجاع" لهكسلي، وصوّر فيها يوتوبيته المعكوسة في عالم مستقبلي، واصفا الأخطار المتأتية عن غسيل الأدمغة والرقابة الاجتماعية والسياسية الخانقة. في هذا النص، اختفت فكاهة "مزرعة الحيوان" لتحلّ مكانها مرارة حادة، مرارة تتناسب مع أجواء الرواية المتمحورة خصوصا حول موت الانسان روحيا. هكذا انتقل اورويل من الحكاية الى النبوءة العارية والفجة، من دون أي مراعاة ولا تمويه، لكي يفضح سياسة القمع وانسحاق الفرد في مجتمع رمادي موحّد يخضع لسيطرة "الأخ الأكبر": رقيبٌ يشرف على تجريد الناس من اي مشاعر لكي يدوسوا على احلامهم ومثالياتهم وتوقهم الطبيعي الى الحرية. "الحرب هي سلامٌ، والحرية عبودية، والجهل قوة": تلك هي المبادىء التي ينادي بها الأخ الأكبر. أما مهمة "وزارة الحقيقة" التي يعمل فيها بطل القصّة وينستون، فهي تحوير التاريخ واغتيال حرية التعبير وتجميد الذاكرة وشلّ القدرة على التفكير المستقل وممارسة الرقابة على الكتب والصحف التي لا تتماشى مع السياسة الرسمية. و"الأخ الأكبر" هو في الواقع تجسيد لأيقونات اخرى، اذ يمكن ان نقول إنه الأبوكاليبس مقنّـعا أو المسيح الدجال، او أي رمز من رموز الشرّ والخداع والهيمنة والطغيان في هذا الزمن، وما أكثرها.

 

         صحيح ان الانسانية خرجت سالمة – ربما- من عام 1984، لكن النبوءة نبوءة حتى عندما لا تتحقق. وكم كان اورويل محقا في تحذيرنا من انحرافات الحداثة وسحر التوتاليتاريات المقنّعة بثورات "رومنطيقية". ولا شك في ان جزءا كبيرا من رؤيته متجسّدٌ في عالمنا الراهن، اذ ان "الأخ الاكبر" يراقبنا فعلا، وينتهك حميميتـنا باستمرار، اكان متخذا شكل شركة عالمية او حركة اصولية او بيل غيتس او برنامجا تلفزيونيا او الرقابة المدسوسة في الانترنت. أما التحالفات والعداوات، فكما في الكتاب تتغير يوما بعد يوم، ولا شك في أننا نعيش في عالم من الكذب المريع تُـحوّر فيه الوقائع والحقائق، تماشيا مع حدس نيتشه حين قال: "ليس ثمة وقائع، بل تفسيرات فحسب". أيضا وأيضا، ثمة في عالمنا هذا، كما في عالم وينستون، حكومات وصيّة ومجتمعات تحت الوصاية، فضلا عن طغيان "اللغة الجديدة" علينا، لغة سياسية قائمة على التلميحات والتوريات والتشويه المنهجي لسبل التواصل الانساني. أما "التفكير المزدوج" الذي تحدّث عنه اورويل، والذي يعتبر ان الحب كره والحرب سلام والضعف قوة، فقد انتصر فعلا على طول الخط من اقصى الأرض الى ادناها، هذي الأرض التي نعيش فيها مخنوقين بحملات الدعاية والترويج الكاذبة تحت انظار "اشقاء كبار" ينمون ويتكاثرون بطغيانهم ودمويتهم يوما بعد يوم. أتشكّون بعد كل هذا في نبويّة اورويل؟

            

(*) من أعمال جورج أورويل (1903-1950): بؤس في باريس ولندن (1933)، أيام بورما (1934)، إبنة القسّ (1935)، الطريق الى فيغان بير (1937)، تحية الى كاتالونيا (1938)، في جوف الحوت ومقالات أخرى (1940)، الأسد وأحادي القرن (1941)، مزرعة الحيوان (1945)، 1984 (1949)، إطلاق النار على فيل ومقالات أخرى (1950).

 

تحـذير: لا يسمح لأي كان أخذ هذه المواد دون ذكر كاتـبتها جمانة حداد

 ومصدر النشر،

وإلا سيُعتبر انتهاكا لقوانين حقوق النشر المرعية.

رجــوع