| |
جائزة نوبل للآداب للروائي جون كويـتزي
صوت جرح إسـمه جنوب أفريقيا
جريدة النهار- 3-10-2003
أكانت جائزة نوبل للآداب نتيجة أم برهانا، أكانت تكريما ادبيا ام لعبة توازنات سياسية، فإن الروائي الجنوب أفريقي جون كويتزي لم يكن محتاجا اليها حقا لكي يـثبت انه روائي عظيم، أديب شمولي القامة ينبض في كتاباته، لا قلب بلاده الحقيقي فحسب، بل قلب العالم أجمع: قلبه الحالك البياض والناصع السواد، قلبه القاسي الذي لا يرحم والحنون حتى الدمع. فمن رواية الى أخرى، من "في انتظار البرابرة" الى "زمن الحديد" وغيرها، كتب كويتزي، بلغة مكثفة ونيّرة وجارحة و"نيئة"، واقع جنوب افريقيا المعقّد والمتعدد المتاهة، ومنه واقع أرضنا الشرس الى حد العبثية والجنون. وقد نال هذا الكاتب المترجم الى خمس وعشرين لغة عددا لا يحصى من الجوائز المهيبة الى اليوم، منها جائزة وكالة الإعلام المركزية في جنوب أفريقيا عام 1980، وجائزة "أيريش تايمز" العالمية، وجائزة لانان للرواية، فضلا عن كونه الكاتب الوحيد الذي نال جائزة "بوكر" البريطانية البارزة مرتين، الأولى على روايته "حياة مايكل كاي وأزمنته" عام 1983، والثانية على "عار" عام 1999، بالاضافة الى ألقاب كثيرة انهالت عليه على مرّ حياته من جميع الانحاء.
ولد كويتزي عام 1940 في كايب تاون، وعمل استاذا في الآداب في مسقط رأسه قبل ان ينتقل منها الى شيكاغو ويستقر أخيرا في استراليا، وهو الكاتب الجنوب الأفريقي السادس الذي يفوز بهذه الجائزة، علما ان نادين غورديمر تلقتها بدورها لإثني عشر عاما خلت. أبطاله شخصيات مأسوية تحفر عميقا في وجدان القارىء، وهو إذ يروي قصة بلاده الممزقة، يفعل ذلك على نحو يصعب فيه التمييز بين الخيال والواقع، بين تاريخ الوطن والتاريخ الشخصي، بين العام والخاص. واللافت أن رواياته نسيج من المباشرة والرمزية على السواء: مباشرة عنيفة، لا تتوانى عن قتل الأوهام ببرودة المرصود ليعرّي الأشياء، الا انها محميّـة من جهة اخرى برمزية عميقة تـنقذ الحدث من نطاقه الضيق وتحوّله خطابا إنسانيا وفلسفيا عن معنى الحياة والموت والحب والكره والهرب والمساومة، وغيرها من الاثمان الباهظة التي يدفعها الانسان ليظل على قيد إنسانيته. كذلك في مقالاته وبحوثه، يعرض كويتزي تفاصيل المشهد الافريقي والجنوب افريقي، ويناقش العلاقة الوجودية والثقافية المعقّدة بين الجنوب افريقي الابيض و"رحمه" الانكليزية. ورغم ميل بعض النقاد الى التعميم والى حصر اعماله بمحور نظام التمييز العنصري، من غير المنصف اختصار أدبه بهذه النقطة فحسب: فهو إذ يكتب عن تاريخ بلاده الدامي بنبرة مأسوية ومتوترة، يحرر هذه من اي تحيّز، كما لو انه لا يريد ان تؤخذ كتاباته كمواقف أو رسائل شخصية، بل يودّ أن يحمي كيانها الأدبي الصرف ويثبت تفوق التعبير الخلاق على الموقف السياسي، أي تفوق الادب الشمولي على الحياة نفسها. ويمنح انعدام التحيز هذا كتاباته قدرة تأثير صاعقة، تحديدا بسبب حفاظها على مساحة الحرية لدى المتلقي وعدم سعيها الى فرض أفكار ومواقف وحدود جاهزة على القارىء.
رغم عنفها وفجاجتها، أو ربما بسببهما، تنم روايات جون كويتزي عن حساسية عالية ورؤيوية شاملة. شخصياته قلقة ويائسة وتعيش صراعا مستمرا، وتفضح تاليا تورطه الذاتي في كتاباته. فتلوح بين الاسطر اعترافات تشبه السيرة الذاتية، رغم المسافة النموذجية التي يفرضها دائما بين صوته وصوت أبطاله. وهو يصف لنا مخاوفه ومصاعبه وآماله ومرارته هذه بأسلوب ملموس وفاعل ومشغول ببراعة المحترف الذي ينحت ويحفر وينقّب حتى يدرك الجوهر. يحمل كويتزي إذا بلاده في روحه وقلمه جرحا دائم النزف، واجمل ما يمكن ان تعنيه اليوم جائزة نوبل للآداب التي سيتسلّمها في العاشر من كانون الأول المقبل في ستوكهولم، هو أنّ هذا الجرح، جرحه، ليس مقتصرا على إنسان وبلد ومجتمع وشعب واحد، بل هو جرح نتشاركه جميعا، من شمال الارض الى جنوبها، في هذه المرحلة المعتمة من تاريخ الانسانية.
من اعمال جون كويتزي: بلاد الغسق (1974)، في قلب البلاد (1977)، في انتظار البرابرة (1980)، حياة مايكل كاي وأزمنته (1983)، خصم (1986)، زمن الحديد (1990)، سيد بطرسبرغ (1994)، طفولة (1997)، عار (1999)، شباب (2002).
تحـذير: لا يسمح لأي كان أخذ هذه المواد دون ذكر كاتـبتها جمانة حداد
ومصدر النشر،
وإلا سيُعتبر انتهاكا لقوانين حقوق النشر المرعية.