| |
بول غوغان بطلا روائيا
ماريو فارغاس يوسا يبحث عن "الفردوس"
ملحق النهار الأدبي-25-5-2003
"حين كنّـا صغارا، كنا نلعب في أريكيبا لعبةً نشكّل فيها دائرة مغلقة. وكان يجب على الولد المعاقَب، المطرود من الدائرة والراغب في الدخول اليها من جديد، أن يطرح علينا السؤال الآتي: "أهنا يبيعون البيض؟" ، فكنا نجيب: "لا، بل أبعد قليلاً". وفي صيغة اخرى أكثر رقيّـا كان السؤال المطروح يصبح: "أهنا الفردوس ؟"، وكان الجواب بديهيا: "لا، الفردوس ليس هنا، إنه أبعد قليلاً". تلك اللعبة الطفولية تعني بالنسبة إليّ البحث عن المستحيل. وما هو البحث عن المستحيل؟ إنه اليوتوبيا في ذاتها".
ماريو فارغاس يوسا
"هل ثمة نص تاريخي يمكن أن يتفوق على كتابات بالزاك وهوغو وستندال وفلوبير؟ من يروي القرن التاسع عشر أفضل من ديكنز؟ ثمة أزمنة وعصور ومدن لا تـنفصل عن حضورها الأدبي": انسجاماً مع قناعته هذه بأن الروايات العظيمة هي أفضل شواهد على التاريخ، بل بأنها أفضل من التاريخ نفسه، يرسم الأديب البيروفي ماريو فارغاس يوسا في كتابه الجديد "الفردوس – أبعد قليلاً"، الصادر أخيراً بالإسبانية عن دار ألفاغوارا في مدريد وعلى نحو متزامن بالفرنسية عن دار غاليمار، معالم القرن التاسع عشر من خلال حياتين مترابطتين ولكنهما لا تـتقاطعان: حياة المناضلة النسوية فلورا تريستان، وحياة حفيدها الرسام بول غوغان الذي رأى النور بعد أربعة أعوام على وفاة جدته. بين ولادة فلورا عام 1803 وموت بول عام 1903، قرنٌ كامل من اليوتوبيات والايديولوجيات الكبرى، من الثورات الصناعية وبوادر الطليعية الفنية والأدبية، من الأحلام الواهمة و"الفراديس" الكاذبة. الإثنان حلما، كل على طريقته، بعالم أفضل. تريستان كافحت من جهتها من اجل مجتمع اكثر عدلا، في حين أن غوغان سعى الى كمال من نوع آخر، كمال الجمالية الفنية الموضوعة في متناول جميع الناس.
فنّ الثورة وثورة الفنّ
ينسج يوسا كتابه و"فردوسه" من خيوط الواقع المتشابكة مع حرير الحلم، ويعرض عبر هاتين الشخصيتين مسار يوتوبيتين متوازيتين: اليوتوبيا السياسية التي جاهدت في سبيلها فلورا تريستان الطامحة الى مجتمع مثالي يحترم حقوق المرأة، واليوتوبيا الفنية التي تاق اليها بول غوغان الباحث عن خلاصة الجمال وخلاصيته. يوتوبيتان لا تتكاملان ولا تتشابهان، ولكنهما تجسّدان شكلين مختلفين للإيمان نفسه. وصحيح انّ أياً من الشخصيتين لم تعثر على ذلك الفردوس الضائع المنشود، الا انهما جنيتا من لذة البحث حياة رائعة وغنية. من طريق هذا الإدراك تتضح لنا صفحة فصفحة نيات الروائي الحقيقية تحت جلد كاتب السيرة، فنكتشف أن يوسا يهدف، من خلال قصّة قد تبدو للوهلة الأولى محض "تأريخية" وبريئة من الأبعاد والمفاهيم، الى الكتابة عن عبقرية الحلم وحمّى المثاليات ولذة البحث ونار التمرّد، أي في اختصار، عن فن الثورة وثورة الفنّ في آن واحد.
وجدير أن نلفت الى أن كتاب يوسا هذا يسجّل "ضربة" على مستوى التوقيت اذ يحتـفل العالم هذه السنة بمئوية غوغان، احد أبرز مؤسسي الانطباعية ورائد انفتاح الفن الغربي على الثقافات البدائية الفطرية. أما شخصية الجدّة، المولودة من ام فرنسية وأب بيروفي – من اريكيبا تحديداً، مسقط رأس يوسا – فلم تكن أقلّ إثارة للإهتمام من شخصية الرسّام الشهير، اذ كانت حياتها سلسلة من المغامرات والأسفار والمآسي والتحديات. عانت فلورا الفقر المدقع في طفولتها وصباها، وتكوّن لديها كره للجنس وحقد على الرجال جراء تجربة زواجها الفاشلة، فما لبثت أن هجرت زوجها وهي حامل بطفلها الثالث لتعيش حياة بؤس وتـشرّد وحرمان. إلا أن تلك الأعوام الحافلة بالصعوبات والتجارب المؤلمة نحتت امرأة قوية عنيدة مبدعة، فضّلت النضال على الشكوى والمثابرة على الإستسلام، وعرفت كيف تحوّل نقماتها نعماً بفضل صلابة شخصيتها وشساعة خيالها وايمانها بضرورة تحرير المرأة من القيود المفروضة عليها. فأسست تريستان الإتحاد العمالي وراحت تدافع بشراسة عن مبادئها وقناعاتها وتحاول تغيير عالمها بطريقة سلمية.
كان لكل من فلورا تريستان وبول غوغان فردوسه، وعدنه التي يحاول خلقها على الأرض. وما يجمع هذين الرائدين ليس رابط الدم فحسب، بل رابط المأساة والحلم والتوق الى ما هو غير موجود، رابط النزوع الى الكمال والتصميم الأقوى من اي عقبات. كأن الحياة الثانية صدى للأولى، وأكاد اقول العكس بالعكس: كأن الزمن الأول يعكس الثاني الى حد انهما يلتبسان ويذوب احدهما في الآخر، فيخلق الروائي بهذه الطريقة بين بطليه حبل سرّةٍ، ومساحة اتصال وتواصل لم تكن موجودة في الواقع. وفي خيار يوسا تسليط الضوء على شخصيتيه حين تكون هاتان على مفترق حاسم في رحلتيهما نحو "الفردوس"، اي عندما تعبران نقطة اللارجوع، دلالةٌ معنوية معبّرة على ضرورة التوغل في الحلم والمجازفة المطلقة بالذات في سبيله والمضي الى "آخر الطريق" من دون هاجس العودة: هكذا نرى فلورا في مرحلتها النضالية المتقدّمة بين لندن والبيرو وفرنسا، غارقة في وحول البؤس العمّالي وفي صلب معركتها من أجل حقوق العامل والمرأة ضد الظلم البورجوازي والذكوري، في حين نرافق غوغان في محطات رحلته النهائية الى جزر الماركيز حيث سيغرق الرسّام البوهيمي في تجاربه الإبداعية والحسية، فنتابع مغامراته في تلك البحار البعيدة والأصقاع المتوحشة مستكشفاً شهوانيته وباحثا عن حريته كرجل وفنان، باحثا ايضا عن دوار جمالي جديد وعالم غير ملوّث بالحضارة الإصطناعية وبالأعراف والأحكام الاجتماعية والدينية والجنسية. إنهما في الحقيقة روايتان في رواية واحدة: قصة رحلتين، وجلجلتين، وجنّتين، وموتين في أحضان الحرية. وثمة أيضا في الكتاب رؤيتان متناقضتان عن الجنس: رؤية فلورا التي ترى فيه محض اداة للسيطرة الذكورية، ورؤية غوغان الذي يعتبره قوة عظيمة موضوعة في خدمة ابداعه. وهاتان الرؤيتان تجعلان من "الفردوس – ابعد قليلاً" رواية عن معنى الشغف والإيروتيكية كذلك، إيروتيكية يشوب بُعدَها الجنسي المادي تواطوءٌ لذيذ مع أدوات الخيال والإستيهامات، فيمتزج فيها ما كان مع ما كان يمكن أن يكون ولم يكن.
ألغام الكلمات و"رذيلة" الكتابة
ليست هذه المرة الأولى التي يعتمد فيها يوسا على شخصيات حقيقية لبناء قصّته، على نحو تندمج فيه عبقرية الروائي مع دقّة كاتب السيرة. فهو كان فعل ذلك قبلا في "حرب نهاية العالم" و"عيد التيس" وغيرهما. وغالبا ما يتكل هذا الأديب على العمل الاستقصائي والتوثيقي بقدر ما يتكل على خياله الروائي الخصب، فيصهر الواقع والمخترَع ويعيد خلق الماضي على طريقته ويستخدم الأزمنة ببراعة ويعيث الفوضى و"الفساد" في الذاكرة، لأن الكتابة كما يصفها هي "رذيلة" والكاتب "ساحر ومشعوذ". والرواية لدى يوسا لا تـنفصل عن البحث بل هي شكل من أشكاله، وحوادثها تُروى عبر تأملات نابعة من مجاهل الوعي مما يمنحها ميزتها الإستبطانية، فيجتاح فيها الأسلوب العرْضي الأسلوب السردي أو يتقاطع معه. ولهذا السبب يصفه النقاد بانه من الكتّاب القلائل في العالم الذين يثيرون فضولا فكريا وتاريخياً وسياسيا وادبيا على حد سواء. لكنّه لا يقدّم البحث في نقاء عذريته بل ينتهكه بفن "الكذب" الذي يشكل في رأيه أفضل دليل على انتصار الخيال الروائي. هكذا يتحاذى في اعماله التاريخ والخيال، بل غالبا ما ينصهران الى حدّ امحاء الحدود بينهما في اسلوب يشبه ألف ليلة وليلة. فالكتابة استثمار للصور الواعية واللاواعية، للأفكار السائدة وتلك المبتكرة، أي انها امتزاج الرغبات والوقائع والحركات والذكريات والتجارب في خليط ذي مستوى راق من التشابك والتعقيد.
الفردوس هو دائما "ابعد قليلا"، يقول يوسا عن كتابه الجديد، هو دائماً في المحطة المقبلة، ولطالما سحرته اليوتوبيا التي تمثّل اكبر طموح للإنسان منذ فجر التاريخ. ورغم انّ البطلة المُكتشَفة، اي الحقيقية، في هذه الرواية هي فلورا تريستان، التي كان يوسا قد اعطى سلسلة من الدروس عن حياتها قبل صدور الكتاب في جامعة مينينديث بيلايو في سانتاندر، الا أنه ثمة بعض الخلل التركيبي في الرواية بسبب انعدام التوازن أو تـفاوت "الثقل" بين الحياتين المتوازتين، اذ ان تفاصيل حياة الجدّة الميلودراماتيكية تطفىء وهجها الى حد ما، في حين تُظهر في المقابل شخصية غوغان مأسويةً قدرية صاعقة، فلا يسع القارىء الا أن ينحاز لجنون الفنان الرؤيوي على حساب المُصلحة النسوية المتعصِّبة.
وكان كتاب يوسا السابق، "عيد التيس"، قد أثار جدلا كبيراً ونال شهرة واسعة بسبب تناوله حياة الديكتاتور الدومينيكاني رافاييل ليونيداس تروخييو، وقد فضح الأديب من خلال صورة هذا "الوحش" فساد كل الزعماء الديكتاتوريين ودمويتهم وهوسهم الإستعراضي النرجسي، عبر تصويره المحطات المختلفة في عملية تحول إنسان عادي طاغيةً. وليست هذه الجدلية والإستفزازية بالغريبتين أو الدخيلتين على عالم يوسا، وهو الذي يعتبر أن الكلمات هي ألغام مرصودة لكي تنفجر في ضمير القارىء او سلوكه او ذاكرته. ويعكس أدبه في الواقع صورة تلك القارة اللاتينية الممزقة والغامضة والساحرة التي ينتمي اليها، كما يعكس مبادئه السياسية والاجتماعية التي كان قد حاول ترسيخها عندما ترشّح لرئاسة جمهورية البيرو عام 1999 وباءت محاولته بالفشل. الا انه تعلم الكثير بحسب قوله خلال اعوام نشاطه السياسي عن فساد السلطة وتحريضها الناس على التضحية بكل شيء في سبيلها.
الفردوس مكتوباً ومرئيـاً
وقد رافق صدور كتاب "الفردوس – أبعد قليلاً" عملان فنيان نهلا من الرواية أسباب وجودهما: اولهما شريط وثائقي للمخرج والصحافي الكولومبي موريسيو بونيه يتمحور حول "تـقنية" التوثيق والكتابة وعملية الخلق لدى يوسا، فتعقّب بكاميرته خطى الأديب في مراحل بحث هذا عن اسرار بطليه وفي أسفاره الإستقصائية الكثيرة من لندن الى باريس الى اريكيبا الى جزر الماركيز الى تاهيتي وآرل وليما. وثانيهما كتاب لإبنة يوسا الصغرى مورغانا، وهي مصوّرة، تحت عنوان "صور الفردوس"، وهو كتاب يتضمن مثلما يوحي عنوانه صوراً توثّق الرواية . وجدير بالذكر أن هذه هي المرة الأولى التي يصدر فيها كتاب مرفقاً بصورٍ تروي الرحلة التي يجتازها الكاتب بين افكاره والورقة، بين خياله والقلم، خلال مراحل الكتابة.
ولطالما حلمت مورغانا، المولودة في برشلونة عام 1974، بأن تمشي على خطى خيال والدها المسافر في جميع أنحاء العالم وبأن تراقبه وهو يجمع عسل رواياته من قفران التاريخ. وحين قررت أخيراً تحقيق حلمها، كانت النتيجة 220 صورة مرفقة بنصوص وتعليقات لموريسيو بونيه حول احاسيس الكاتب والمصوّرة على حد سواء. وقد كان يوسا مترددا في البدء في ان يعهد حميميته وصوت افكاره الى كاميرا مخرج وعدسة مصوّرة، لكنه رأى في الخطوة تجربة جديدة ومغنية، فكان أن "سلّم" نفسه وولد الفردوس مكتوباً ومرئياً في زواج متوازن وناجح: محطاتٌ كثيرة مرّ بها الأديب لكي يتلبس شخصيتي روايته، وهي نفسها المحطات التي تقبض عليها عدسة المصوّرة لكي "نرى" كيف يمكن خيال مبدع وعمله الدؤوب ان يتجسّدا في رواية، محطات تذكّر الى حد بعيد بالتحول الذي يخضع له اليسروع لكي يتحرّر من شرنقته ويصبح فراشة، أو الجنين منذ تكوّنه حتى لحظة خروجه الى الضوء.
"الفردوس – ابعد قليلاً" هي رواية حول الحلم والأمل والحرية والإيمان. رواية يقدّم لنا ماريو فارغاس يوسا من خلالها، في معايرة بارعة بين جرعتي الواقع والخيال، فلسفة الرحلة الأجمل من أي وصول، والتي فيها، في تلك الرحلة بالذات، يكمن سرّ الفردوس وجوهر اليوتوبيا الحقيقية.
كادر 1
نبذة عن حياة يوسا
الخالة جوليا والأوهام الغيفارية
ولد يوسا عام 1936 في اريكيبا في البيرو وتابع دراسات في الادب والحقوق. تزوج خالته جوليا عام 1955 ومنها استوحى قصة "جوليا والكاتب" الا أن زواجهما لم يستمر طويلاً. انتقل للعيش في باريس عام 1959، ومارس مهنا عديدة، فعمل مترجما وصحافيا واستاذا في اللغة الاسبانية. انجذب في أولى مراحل شبابه الى شخصية فيديل كاسترو والى الثورة الكوبية، لكنّ اوهامه الغيفارية سرعان ما انتهت ولم يتردد في وقت لاحق في اعلان قطيعة كاملة مع حركات اليسار المتطرف. عاش متنقلا بين مدن كثيرة وخاض تجربة زواج ثانية أثمرت عن ثلاثة اولاد. عاد الى البيرو عام 1975 ولديه رغبة في الانخراط في العمل السياسي، فشارك عام 1988 في تأسيس "حركة الحريات" المتحالفة مع عدد من الأحزاب اليمينية، الا انه خسر الانتخابات الرئاسية عام 1999 فتخلّى عن طموحاته السياسية وغادر البيرو من جديد. مُنح الجنسية الاسبانية عام 1993 بعدما حاز جائزة ثرفانتس للآداب في العام نفسه. وكانت شهرته الروائية قد بدأت مع "المدينة والكلاب" التي روى فيها تجربته القسرية في المؤسسة العسكرية. تُرجمت أعماله الى لغات لا تحصى منها الفرنسية والايطالية والبرتغالية والانكليزية والالمانية والروسية والفنلندية والتركية واليابانية والصينية والتشيكية. وقد كان الأديب الكولومبي الحائز جائزة نوبل للآداب غابرييل غارسيا ماركيز من أعز اصدقائه، إلا انهما تخاصما منذ بضعة اعوام ولا تزال الأسباب الحقيقية لهذا الخلاف مجهولة وغامضة حتى اليوم.
من أعمال ماريو فارغاس يوسا
في الرواية
_______
الفردوس – أبعد قليلاً 2003
عيد التيس 2000
حرب نهاية العالم 1981
الخالة جوليا والكاتب 1977
محادثة في الكاتدرائية 1969
البيت الأخضر 1965
المدينة والكلاب 1963
الزعماء 1959
في البحث
_______
لغة الشغف 2001
رسائل الى روائي شاب 1997
اليوتوبيا الجاهلية 1996
السمكة في الماء 1993
حقيقية الأكاذيب 1990
ضد التيار 1983-1990
بين سارتر وكامو 1981
العربدة المتواصلة : فلوبير ومدام بوفاري 1975
في المسرح
________
مجنون الشرفات 1993
المزحة 1986
تحـذير: لا يسمح لأي كان أخذ هذه المواد دون ذكر كاتـبتها جمانة حداد
ومصدر النشر،
وإلا سيُعتبر انتهاكا لقوانين حقوق النشر المرعية.