جائزة Impac  الأدبية للروائي التركي اورهان باموق

 

" أخاف اليوم الذي سيتحالف فيه أبطالي وقرّائي ضدّي "

 

جريدة النهار- 29-5-2003

 

 

"الطريقة الوحيدة ليكون المرء نفسه هي أن يصبح شخصاً آخر أو أن يضيّع دربه في قصص الآخرين. هكذا تذكّرني الحكاية التي أعمل على كتابتها بحكاية ثانية او ثالثة او رابعة، تماماً مثلما تـنفتح قصص حبّنا وحدائق ذاكرتـنا إحداها على الأخرى... ففي آخر المطاف، لا شيء يمكن ان يكون صاعقاً بقدر الحياة نفسها. ما عدا الكتابة. ما عدا الكتابة. أجل طبعا، ما عدا الكتابة، عزاءنا الأوحد".

اورهان باموق   

 

         اورهان باموق روائي "خطير". بعضهم يصف كتابته بالفلسفية، آخرون بالتاريخية، وثمة من يربطها بالفانتازيا البورغيسية الحديثة. لكنها في الواقع خليط من كل هذا، وأكثر. وخطورته تكمن أولاً في لغته الهذيانية، الضبابية عمدا، المهجّـنة بين حدّي العقلانية والهلوسة. لغةٌ هي سلسلة من المتاهات والتعرّجات والدورات والمنعطفات والمنحدرات التي لا تؤدي الى مكان، أو التي تؤدي بالأحرى الى اللامكان، الى حد اننا نتساءل: هل ثمة غاية سيدركها الكاتب بعد كل هذا الترحال، وما تراها تكون؟ وباموق خطير ايضا لأنه يدفعنا نحن القرّاء الى الحافة. يعكس المعادلة فيمتحن إبداعيتـنا بدلا من أن يكون هو الممتَحَن. يدفعنا الى التكهّن والإبتكار. "يورّطنا" في صناعة القصّة، فنشعر أحياناً كما لو أنّ روايته تبحث عن معانيها بمعزل عنه، كما لو أنها تـنكتب للتوّ امام أعيننا. وبنا. وهو خطير خصوصا في ذلك الاسلوب المغنطيسي المربك المتحدّي الذي يحثّ به الإنسان على النظر إلى داخله، على البحث عن هويته وحقيقته، وعلى طرح "الأسئلة الكبرى" حول ثنائيات الشرق والغرب، التشابه والإختلاف، الجماعة والفرد، الواقع والخيال، المعنى والعبث، اليقين والإلتباس، وغيرها من التناقضات والتشابكات التي تصوغ الكيان والشخصية والخصوصية. لهذه الأسباب وغيرها، من غير المبالغ القول إن اورهان باموق، المولود في اسطنبول عام 1952، هو من أبرز محدثي الرواية التركية وأشدّهم جرأة وأكثرهم انتشاراً واستحقاقاً لانتشاره، اذ ترجمت أعماله (*) الى ما يزيد على عشرين لغة حتى الآن. وقد أعلنت بلدية مدينة دبلن هذا الأسبوع منحه جائزة Impac الأدبية الدولية لسنة 2003 على روايته الأخيرة "أحمر هو إسمي".

  

         نـشأ باموق في مدينة اسطنبول في كنف عائلة بورجوازية، وتابع بدايةً دراسات في الهندسة المعمارية قبل أن ينتقل الى الصحافة، ومنها الى الكتابة، وقد حاز جوائز أدبية عديدة في تركيا وخارجها. وتثير كتبه في الواقع ردود فعل متطرفة، من الإدانة القصوى الى التكريس المطلق. ففي حين يتهمه المثقفون الإسلاميون مثلاً باستغلال الموضوعات الدينية والتاريخية، التي غالبا ما تشكّل قماشة رواياته، بإسم الحداثة الغربية، لا ينفك العلمانيون يلومونه على انتـقاده الصريح ايديولوجيا الدولة. وقد رفض الكاتب أخيرا قرار الحكومة التركية تكريمه بمنحه لقب "فنان دولة" الذي يُعتبر اهم لقب ثقافي في البلاد، مستـنكراً انتهاكها بعض حقوق الانسان وسَجنها الكتّاب وتقييدها حرية التعبير. إلا أن تمرّد باموق غير استعراضي عموماً، وصحيح أنّ للسياسة حضوراً مضمراً في قلمه، لكنّ الأدب هو بطله الأكبر.

         مما لا شك فيه أنّ للتأثيرات الغربية في الحياة التركية التقليدية و"الهوس" التركي بالوجه الاوروبي وتنازع البلاد بين هويتين وانتماءين، حضوراً بارزاً واساسياً في روايات باموق، وهو يستخدم التناقضات والازدواجيات والتضادات من كل شكل ونوع لخدمة هذا الحضور. لكنّه اذ يرفض نزعة الثـقافة التركية الى "تغريب" نفسها بتجاهلها التـقاليد والجذور، إنما يفعل ذلك ليؤكد انّ "مفهومي الشرق والغرب غير موجودين حقاً، بل هما وجهان للحضارة نفسها". أما الهوية فهي الذاكرة في رأيه، أو الماضي الذي يريد ان ينتصر على النسيان وأن يبني المستقبل، فيقول في هذا الصدد: "إذا حاولتم قمع الذاكرة، لا مفرّ من أن يعود شيء منها الى السطح. أنا هو ما يعود". بذلك يتضح لنا أن باموق يريد في الدرجة الأولى، من خلال مزجه هذا بين الذاكرة والمستقبل، بين الأسرار الصوفية والحكايات الاسلامية التقليدية والأدب الشعبي، واللغة التجريبية الما بعد حداثوية، لا أن يروي قصّة الصدام بين الشرق والغرب، بل أن يصوّر على الأرجح علاقة الشغف التي تربطهما، وهو شغفٌ ملتهبٌ الى حد يدفعنا الى التساؤل عما اذا كان يمكن الثقافات، على غرار الأفراد، أن تغرم إحداها بالأخرى.

         كانت بدايات اورهان باموق في الواقعية الكلاسيكية، لكن تجربته الروائية تطورت بإيقاع سريع ومكثف منذ كتابه الثاني "البيت الصامت" الصادر عام 1983، لتدخل في لعبة الترميز والمرايا، وهي لعبة مألوفة لدى كتّاب الفانتازيا الكبار من امثال ايتالو كالفينو وويليام غاس وخورخي لويس بورغيس، فضلا عن الحضور الواضح لتأثيرات فوكنر في كتابته. هكذا نشهد في جمله طبقات متراصة ومتشابكة من المعاني والأسرار، كما لو ان تحت كل حقيقة تكمن حقيقة أخرى على نحو متراكب يذكّر بالدمى الروسية. كتابة صعبة، مجازية، معقّدة، "مذنبة" بامتياز في ذهنيتها اذ ليس فيها شيء من العفوية، لا بل يمكن القول إنها جولة مصارعة مع الكلمات، وإن بدت للوهلة الأولى "بسيطة" وتلقائية:

"وتسألون كيف أحببته؟ أحببته كما أحببتُ شبح ذاتي العاجزة البائسة حين تراءت لي في الحلم، أحببته بالخزي نفسه الذي يخنق ذلك الشبح وبسخطه وإثمه وحنينه، بالعار الذي يجتاح الروح عند رؤية حيوان برّي يحتضر متألماً، او بالغيظ الذي  توقظه أنانية ولدٍ مدلل. وربما أحببته خصوصا بالاشمئزاز السخيف والسرور السخيف اللذين تثيرهما فيّ معرفتي لذاتي".     

         إنها لغة تخاطب القارىء وتمنحه كما ذكرنا امتياز "وجهة النظر"، وتحمّله وزر هذا التدخّل على حد سواء. ولطالما ردّد باموق في حواراته أنه يريد اختراع كتابة تعكس نسيج الحياة في مدينة اسطنبول. ويمكن القول إنه نجح في ذلك ببراعة، اذ ان كتابته، على غرار مدينته، تتأرجح في توازن دقيق بين الشكل والفوضى، بين التخطيط وانعدام التـناسق، بين سحر الماضي وغزو الإسمنت، وأيضاً، وخصوصاً، بين وجهيها الشرقي والغربي.

         أما على صعيد رواية "أحمر هو اسمي" الفائزة بجائزة Impac ، فهي جدارية تاريخية–فلسفية-فنية-دينية–بوليسية تتضافر فيها قصص الاغتيالات والمؤامرات والدسائس بين رسّامي المنمنمات الإسلامية في البلاط العثماني في القرن السادس عشر، مع قصص الغيرة والحنين والأحقاد والحب الممنوع. إنها حكاية فنّان تركي قُـتِل لأنه كان يرسم لوحة بأسلوب غربي، ولذلك فإن اللون الاحمر فيها هو لون الدم والجريمة بقدر ما هو لون الجنة التي تـنتظر روح الفنان بعد الموت، إنه الأحمر المتوهّج "على اجنحة الملائكة وعلى شفاه النساء"، بقدر ما هو ذلك النازف "من جروح القتلى والرؤوس المقطوعة". ولكن يمكن القول إنها في شكل رئيسي رواية حول الفن ودوره في المجتمع والأخلاق والدين، اذ تتضمن شبه دراسة عن المنمنمات الإسلامية وتاريخها والتأثيرات الصينية التي جلبها المغول اليها: إنها رواية حافلة بالمناقشات حول الشكل والأسلوب، وبقصصٍ عن كبار رسامي المنمنمات وعن العالم مرئياً من وجهة نظرهم، فضلا عن بعدها الفلسفي على غرار تطرّقها الى معنى العمى من خلال الرسام الذي يدرك العظمة بعدما يفقد بصره لأنّ الصور والالوان محفورة في ذاكرته. وهي تالياً رواية ذات نفس شمولي، بلا زمان ولا مكان، وإن كانت تُـبرز صورة تركيا القديمة الجديدة، الخالدة العابرة. وجدير بالذكر أن بوماق، الذي كان يحلم في صغره بأن يكون رساما، يصف بعض اللوحات بلغة تحاذي الشعر. وتحمل الرواية كذلك بعض تفاصيل طفولته من خلال شخصية اورهان، أي أنها تملك عناصر السيرة الذاتية، كل هذا متشابكاً على غرار الـpuzzle. ويضم الكتاب أيضا خريطة وعرضاً لأبرز الأحداث في تاريخ الفن الاسلامي.

         يقول اورهان باموق إن كتابة روايته هذه استغرقته ستة اعوام. وهي رواية، على غرار "اسم الوردة" لامبرتو ايكو، يتداخل فيها الخيال الأدبي والأجواء الأسطورية مع الاستطرادات الفلسفية، فتتحاذى فيها المكائد الدنيئة مع الحساسية الفنية الراقية. وهي مكتوبة من زوايا مختلفة وبأصوات متعددة تـتناوب على عرض القصّة، على غرار صوت الفنان القتيل الذي يخاطبنا من قعر البئر، أو الكلب أو الشجرة أو حتى اللون الأحمر. ومن خلال تعدد الأصوات هذا، يتيح باموق للقارىء أن يتعاطف مع وجهات نظر كل الشخصيات أو ان يفهمها على الأقل، حتى تلك المدانة منها، على غرار وجهة نظر الشيطان مثلاً. وهذا التركيب يخدم حبكة القصة والجدال الثقافي الذي تتضمنه على حد سواء. الا أن بعض النقّاد يلومون بوماق على ايقاعه المغالي في البطء وعلى التفاصيل والأحاجي المتعِبة التي تضيّع القارىء احيانا، وتصيبه بشيء من "الاحباط الفكري". إلا ان الكاتب يتبرأ من هذه التهمة ملقياً تبعيتها على مزاجية شخصياته نفسها، مؤكداً خوفه من اليوم الذي "سيتحالف فيه ابطاله وقرّاؤه ضدّه".

 

         يقول اورهان باموق على لسان إحدى شخصياته في مطلع روايته "حياة جديدة": "في أحد الأيام قرأتُ كتابا، ومذّاك تغيّرت كل حياتي". وهذا الدافع بالذات، او بالأحرى هذه النتيجة هي ما يحثّـنا اليوم على دعوتكم الى قراءته، أو الى إعادة اكتـشافه.

 


(*) من اعماله : البيت الصامت (1983) - القصر الأبيض (1985) - الكتاب الأسود (1990) - الحياة الجديدة (1994).

 

تحـذير: لا يسمح لأي كان أخذ هذه المواد دون ذكر كاتـبتها جمانة حداد

 ومصدر النشر،

وإلا سيُعتبر انتهاكا لقوانين حقوق النشر المرعية.

 

رجــوع