اليوم العالمي للشعر مع الايطالي بازوليني

أنا، هذي الضحية التي تريد ان تقـتل

أنت، ذاك الجلاد الذي يريد أن يموت

 

          " أحب الحياة بشراهةٍ ويأس مفرطين الى حدّ يستحيل معه أن أجني منها

           أي خير: أقصد معطيات الحياة المادية، كالشمس ، كالعشب ، كالشباب...

            إنني ألتهم وألتهم وألتهم... إلامَ سـيؤول بي ذلك ، لا أعرف ".

بيير باولو بازوليني

 

جريدة النهار- 21-3- 2003

 

         مذ أعلنت منظمة الاونيسكو الحادي والعشرين من شهر آذار يوماً عالمياً للشعر، والعالم يحتـفل. كأنه كان في حاجة الى ذريعة أو مناسبة لكي يحتـفي بالشعر، هذا الكائن المجنّح، الحرّ حتى الثمالة، الذي سيظل توقاً لا يبغي وصولاً، ومطلقاً في غنى عن اي مناسبات. ولكن لا بأس بالاحتـفال اذا كانت ايطاليا، وتحديداً مدينة روما، قد اختارت أن تغـنم العيد هذه السنة لكي تكرّم  شاعرها - وشاعرنا - الكبير بيير باولو بازوليني. وفي برنامج التكريم الذي يستضيفه "بيت الآداب" معرض صورٍ للفنان فرانك ديتوري يـستمر حتى العاشر من نيسان، وهي صور مستوحاة من أشعار بازوليني الشابّ المكتوبة باللغة المحلية ، وتعكس مشاهد من الأمكنة التي نشأ وترعرع فيها. والى المعرض ، مداخلات ومحاضرات حول أعمال الشاعر وقراءات لمختارات من قصائده بأصوات عدد كبير من الشعراء والأدباء ذوي الحضور البارز في الحياة الثـقافية الايطالية، ومنهم فاليريو ماغريللي وتوماسو أوتونييري وايليو بالياراني وآخرون.

         كان بازوليني رائد وجودية ايطالية حديثة تـنبع من أصالة الماضي، وقد أدّى طوال حياته دور الضمير النقدي الحقيقي لثـقافة بلاده وقدّم البرهان، الى جانب آخرين من امثال كارلو ليفي والسا مورانتي، عن الفرق الجوهري بين الواقعي واللاواقعي. فشعره ينتمي الى تيار التجريبية الواقعية، ويحتضن هواجس الانسان واسرار الأرض والطبيعة والكون، ويقطر شفافية وغموضاً في آن واحد . إنه شعرٌ يستسلم بطواعية مذهلة لموضوعات الحياة اليومية، لكنه استسلام لا يتـنازل عن ايقاعات العتمة والضبابية من اجل الاحتـفاء "البسيط" بالضوء الفضّاح . بل ان واقعيته هي ذات عمق فلسفي ودرامي، وحتى سوداوي أحياناً . واقعية تطرح أسئلة الوجود الكبرى في تناقضاتها المادية والروحية ، حيث تطير ذات الشاعر في مهب هذه الصراعات وتعود لتستدرج المادة الى الفكرة ، والجسد الى العقـل، والارض الى الروح، والحاضر الى الماضي، وتصنع من هذه التضادات نورها الموسيقي الخاص الذي ينساب في كيان الكلمات وفي دلالاتها المعنوية .انها ايقاعات داخلية حميمة ، طالعة من حفيف أوراق الطبيعة والتجربة والذاكرة والحياة المعاصرة. ولقد وسّعت تجربة بازوليني آفاق الشعر الايطالي الحديث مدى أجيال ، ناهلةً خصوصيتها من التحولات الاجتماعية ومن سعي الشاعر الى التحرر من تأثيرات أسلافه ومن خوضه تجارب فكرية ولغوية ثورية على غرار استخدامه مثلاً اللغة المحلية الخاصة بمنطقة الفريولي في بعض نتاجه الشعري، وهي المنطقة التي عاش فيها جزءًا كبيراً من حياته.

         تـنبع حداثة بازوليني اذاً الى حدّ كبير من ثورته على مظاهر المجتمع المعاصر الفاسدة  ومن رغبة العودة الى الجذور ، ومن هنا استثـنائية هذه الحداثة "الارتدادية ". فمن جهة، نلمس في مناخ بعض قصائده تواطؤاً مع عناصر الطبيعة ، من خلال معجم غنّي بمفردات الأرض والريف، على نحو يرفع المشهد المنظور الى مستوى الكائن البشري أو يمّحي ليشكّل خلفية لأفكار الشعر وأسئلته وهواجسه، في حين تُظهر قصائد أخرى منحى عقلياً مجرّداً واضحاً يتبلور فيه خطاب الشاعر السياسي والإجتماعي: إنه التجاذب بين ثنائية الواقع والوهم، المادية والروحانية ، التـقنية والميتولوجيا . تجاذبٌ تصبح معه قصيدة بازوليني حقيقة هذيانية ومغامرة داخلية خاصة وخارجية عامة على حد سواء ، اذ  تبوح كلماتها بالشيء وتحجبه في آن واحد .

         ويتساءل الشاعر الايطالي المخضرم اندريا زانزوتو في أحد مقالاته عما اذا كان يصح منح بازوليني صفة الشاعر في الدرجة الاولى، نظرا الى كثافة نتاجه في ميادين اخرى متـنوعة كالرواية والنقد والاخراج والرسم. الا ان بازوليني، رغم هذه التعددية، كان يرغب في ان يكون شاعرا قبل اي شيء آخر. فلطالما أوضح بنفسه أن الشعر هو توقه الأكبر، رغم وعيه التـناقضات والصعوبات التي تواجه كتّـاب الشعر والمؤمنين به في العالم المعاصر، او ربما بسبب هذه التـناقضات والصعوبات بالذات. ومن غير المبالغ القول إنّ عينه الشعرية كانت مسلّطة ساهرة على كل اعماله، روايةً ونقداً وإخراجاً ورسماً.

         وفي الحديث عن الإخراج والرسم، لم يكن هذان بالنسبة الى بازوليني تجاوزاً  لنتاجه الأدبي بل مكمـّلين طبيعيين له. كأنه كان يريد بهما ان يمنح التعبير الشعري والروائي بعداً مرئياً مادياً وملموساً، هو أيضاً امتداد شبه عفوي لتعلقه بالأرض. وقد كانت الأمومة ، أمومة الأرض وأمومة الأم على حد سواء، من التيمات الرئيسية في رسومه ولوحاته. تماماً مثلما كان كل ما في الكون  بالنسبة اليه حافزا على الاختبار وعلى اعادة النظر المستمرة في الوجود، وعلى البوح بـ "حنينه" الى عالمٍ يسكنه ولا ينتمي اليه. كأن حياته في الفنّ  ليست سوى بديل من حياة اخرى لم تتحقق. وجدير بالذكر هنا أنّ بازوليني كان مكروهاً ومجروحاً من كثرٍ خلال حياته، وهو الذي قال: " لن يستطيع أحد أن يزعم أنه يعرفني حقاً الا بعد أن اموت" . فهذا الشيوعي الذي تغـنّى ببراءة عالم الريف المثالي الأصيل المسحوق تحت أقدام المجتمع العصري، والذي هاجم بقسوة فسـاد السلطة والتلفزيون والاعلان والاستهلاك وغيرها من مظاهر سيادة المنطق التجاري على أي قيم ومبادىء أخرى، والذي جاهر بمثليته على نحو استفزازي، كان الناقد الحازم لأكثر من جيل، وفاضحاً مهاباً لعيوب عصره وحكومته ومجتمعه وناسه، وحارس الإرث ورافضه على حد سواء: أي كان في اختصار فناناً صادقاً عاش زمنه بشغف أقصى وتورّط شخصي، ولم ينفك يبحث بإلحاح، من خلال نزعته التجريبـية الشمولية، عن سراب "الاتحاد" الفني والإنساني في آن واحد. بذلك لا يكون نتاجه المتـنوّع الوجه سوى جهد نظري وعملي دؤوب لوصل التيار بين الفن والحياة، بينه والآخرين، ولاختراق العالم بواسطة كل الأدوات الفنية المتاحة، لغةً وريشة وكاميرا وسواها.

         وقد صدرت حول بازوليني دراسات وابحاث ومقالات وكتب لا تحصى في ايطاليا كما في بلدان كثيرة ، آخرها كتاب الناقد فيليب لا بورتا في عنوان " صوفيّ مغرم بالواقع ". وحكي الكثير عن "نبويته" التي زادها مماتـه قدريةً ، اذ شكّل نهاية مفجعة أسدلت ستاراً دراماتكياً مفاجئاً على حياةٍ ملأى بغنى الخلق الفني والأدبي، لم يتسنّ لها أن تستكمل مراحلها. وطُرِح عددٌ هائل من الأسئلة حول ظروف موته العنيفة والغامضة - قُـتل طعناً على يد شاب في السابعة عشرة من العمر- وحكي أيضاً عن مؤامرة سياسية ضده بسبب هجومه الشرس والعنيد على الحكومة. ولكنّ هذا الموت الذي اسـتبقه بازوليني ووصفه بكل تـفاصيله تـقريباً برؤيويةٍ أذهلت الكثيرين، والذي لطالما تحدث عن حرية اختيار الانسان له الى حدّ وصف البعض  للـشاعر  بـ "الشهيد الطوعي" ، ليس هذا الموت المأسوي من جهة أخرى، هذا الموت "الثـقافي" ، الا ذروة اكتملت بها شهوة الفنان النرجسية، وهي نرجسية جلية في معظم نتاجه. الا أنّ ما يشفع بنرجسية ذلك البطل الذي كان دائم البحث عن جمهور، أنه لم يكن يستخدم جمهوره هذا كمحض مرآة له، بل كان، اذ يعرض تـناقضاته واختلافه و"فضائحه" الى حدّ الاستعراء، يكشف أيضاً، وخصوصاً، عن هاوية يأسه ووحدته ووجعه وتمزقّه. أوليس هو الذي كتب : " تـقول المرأة للرجل – وما المرأة والرجل هنا سوى نصفَي بازوليني - أنا الضحية ، وأنتَ الجلّاد. أنا ضحيةٌ تريد أن تَـقتل، وأنتَ جلّادٌ يريد ان يموت".

         بازوليني شاعراً ؟ نعم، فهذا من أجمل ما يمكن أن نحتـفي به في يوم الشعر. لأن الإضافة التي قدّمها هذا الطليعيّ للشعر الإيطالي والعالمي كفيلة أن تمنح الاحتفاء به شرعيته الكاملة. وهنا دعوة حارة الى إعادة قراءته ، منا نحن  الأحياء، لعلنا بذلك نفهمه أعمق وأكثر، ونعيد الإعتبار إليه. وعلى هذا الهدي يكون للاحتـفاء معنى حقيقي فتكتمل صورة الشاعر في غيابه وبمعزل عنه.   

من أعمال بيير باولو بازوليني ( 1922 – 1975 )

 

في الشعر :

رماد غرامشي - 1957

عندليب الكنيسة الكاثوليكية- 1958

ديانة زمني- 1961

قصيدة على غرار وردة - 1964

 

في الرواية :

شبان فاسدون- 1955

حياة عنيفة- 1959

النفط ( نُـشرت عام 1992، وكان في طور كتابتها عشية موته)

 

في البحث :

شغف وايديولوجيا – 1960

كتابات قرصانية – 1975

 

 

في الاخراج :

امي روما-1962

الانجيل بحسب متى-1964

اوديب ملكاً-1967

زهرة الالف ليلة وليلة-1974

ايام سدوم المئة والعشرون-1975

تحـذير: لا يسمح لأي كان أخذ هذه المواد دون ذكر كاتـبتها جمانة حداد

 ومصدر النشر،

وإلا سيُعتبر انتهاكا لقوانين حقوق النشر المرعية.

رجــوع