بين طقوس الكتابة وطقوس الحياة المشتركة

هل يمكن زواج إلـهين أن ينجح؟

جريدة النهار-29-8-2003

 

 رغم حياتي الطويلة والحافلة بالمصاعب من كل نوع ولون، أشعر بأني محظوظ لا لشيء سوى لكوني كاتبا محبوبا من الناس.

ألبرتو مورافيا (1907-1990)

لا أطلب حبّكم وليس عندي شيء أقوله لكم. أنا اتكلم فقط عبر كتبي.

إلسـا مورانتي (1912-1985)

 

         نرجسيّ. أنويّ. عاشق نفسه. هكذا هو الكاتب، وإن بدرجات متفاوتة من التصعيد قد تراوح من إمحاء الذات الكامل وراء غرور الكلمة، الى جنون العظمة ونفي الآخر وإلغائه. فهل تحتمل نرجسية المبدع العالية أن يقدّم "تـنازلات" تخدش أنانيته المعلنة أو الكامنة؟ هل يقبل الخلاق اقتران صورته بخلّاق آخر يـشكّل ربما تهديدا لكيانه و"ألوهته"؟ وكم تحتمل أناه الساحقة من تحديات قبل أن ينقلب الحب الى وجهه الآخر، الكره؟ تلك هي بعض الأسئلة التي تراود المرء إذ ينحني على قصّة الحب فالزواج فالانفصال التي جمعت بين اثنين من ابرز روائيي ايطاليا في القرن العشرين: أي الثنائي الشهير إلسا مورانتي وألبرتو مورافيا. وهي قصّة أريق فيها حبر كثير وتناولها عدد كبير من كاتبي السيرة والباحثين، آخرهم عالمة النفس الايطالية ماريا ماتيولي في مؤلفها الصادر حديثا تحت عنوان "المرآة وانعكاسها".

         منذ لقائهما الأول عام 1936، وزواجهما الذي تمّ بعد خمسة أعوام، الى حين طلاقهما عام 1962، عاش مورافيا ومورانتي معا أكثر من ربع قرن. 25 عاما من الحب والبغض والشغف والغيرة والخلق والمزاجية، كانت فيها مراحل من التناغم والتواصل والانسجام تتعاقب مع فترات من الصدام والتباعد والخصام. الاثنان عاشقان صادقان، الاثنان مجبولان بتراب روما ومائها وكلماتها، الاثنان موهوبان ويريدان تكريس كل حياتهما للادب. ولكن كان التـنافس الأدبي الايجابي بينهما يتحوّل أحيانا نوعا من الحرب النفسية بسبب دينامية الحياة المشتركة والاختلافات الواضحة في شخصيتيهما ورؤيتيهما للحياة: فمورانتي انعزالية ومورافيا اجتماعي، هي مدمّرة لذاتها وهو ذو طبع متفائل ومُـتعيّ ومحبّ للملذات. من جهة أخرى، كانت صاحبة "التاريخ" و"جزيرة أرتور" نخبوية ومتعالية الى أقصى الحدود، ولطالما ردّدت أن على الكتّاب الامتناع عن الاحتكاك بالصحافة لانها تفسدهم. أما ألبرتو فكان على العكس منها يعشق النجومية ويعطي المقابلات باستمرار ويساهم في صحف كثيرة مسجّلا حضوره في كل شاردة وواردة، أكان الحدث ثقافيا ام سياسيا ام اجتماعيا، فضلا عن تحويل عدد كبير من كتبه افلاما على غرار "فتاة روما" و"الازدراء" و"الملل" و"اللامبالون" وصولا الى "الإمتثالي" الذي اخرجه برناردو برتولوتشي، مما وسّع جماهيريته ورقعة انتشاره الى حد بعيد.

         حتى في موضوع الكتابة، كان لدى الزوجين مفاهيم وطقوس وايقاعات مختلفة جدا: فهو يكتب ليعيش وهي تعيش لتكتب، هو ينشر كتابا جديدا كل عام هي واحدا كل عشرة اعوام، هو يكتب صباحا هي في المساء. مورانتي اخرجت شخصياتها من حدود التاريخ والزمان والمكان ليصبحوا الانسان في المطلق، فمنحتهم بعدا شموليا. أما مورافيا فاستكشف واقع الحياة الايطالية بكل اوجهها وتفاصيلها الصغيرة وخصوصياتها الملموسة. هو التحري وهي المحللة. هو كاميرا التقطت الناس في لحظات محددة، هي مرقاب تابعهم في تطوراتهم. هو عين المتلصص الذي فضح وجابه، هي عين الضمير الذي انعزل وخاطب من وراء الكلمات، بعنف روائي يقدّم نموذجا عن شجاعة الكاتب والتزامه.

         كانت إلسا ذات طبع متطلب وهش في ان واحد، تتعاقب لديها مراحل من الحماسة والحيوية مع اخرى من القلق والوجوم. وكانت تتضارب حاجتها الشديدة، شبه العضوية، الى الاهتمام والحنان والحماية والتدليل، مع استقلاليتها القصوى والشرسة. نشأت عصامية، فتعلّمت القراءة والكتابة وحدها، من دون ان ترتاد المدرسة الابتدائية. وقد رفضت لاحقا الامومة وامتنعت عنها رغم رغبتها فيها، ورغم أنها ظلت تتحسّر حتى آخر حياتها على تلك الفرصة الضائعة. وفي هذا التناقض رفض لهويتها وجنسها كأنثى، وهي التي لطالما نفرت من الحركة النسوية، وكانت تغضب اذا ما سُـمّيت بالكاتبة او الشاعرة، لأنها تريد ان يقال "الكاتب" أو"الشاعر" إلسا مورانتي. ويرى عدد كبير من النقاد، وعلى رأسهم الناقد والفيلسوف الهنغاري لوكاس، ان مورانتي، التي لم تكن تتردد في وصف نفسها بـ"وريثة رامبو"، كانت تتفوق على زوجها ككاتبة رغم شهرة الاخير ونجوميته. الا ان البعض يؤكد كذلك انها كانت تحسد شريكها على شهرته هذه وتحاربه رغم أنه ساعدها ودعمها ماديا ومعنويا حتى بعد انفصالهما. ومن ابرز دعاة النظرية الثانية الشاعر الايطالي داريو بيليتزا الذي وصف مورانتي بالمرأة الانانية والمتكبّرة والشكاكة والمفتقرة الى حس السخرية. وقد روى بيليتزا قصة لقائه الاول مع السا عندما كان هو في السادسة عشرة وهي في الخمسين، فزعم أنها أغرمت به رغم كونه مثليا لأنه أجج فيها ذكرى صداقتها القوية والغريبة مع بازوليني، ولأنها رأت في شبابه خصوصا خشبة خلاصها من وسواس الشيخوخة. فقد كانت مورانتي امرأة فاتنة، شديدة الاعتناء بشكلها والتعلق بجمالها، ما اعتبره كثر غريبا لدى امرأة بمثل موهبتها الأدبية. ومنذ طلاقها من مورافيا راح هاجس التقدم في السن يقض مضاجعها، الى حد أنها لم تكن تتردد في ملاحقة الشبّان، على قول بيليتزا. وقد روى الشاعر ذكرياته هذه في كتاب يحمل عنوان "ملاك"، هو نوع من السيرة الذاتية ضد مورانتي وحبا بها على حد سواء. ثم استكمل القصة في روايته "اضطراب" التي صدرت عام 1986، والكتابان على الأرجح سعي الى طرد شبح امرأة شكلت جزءا مهما من حياته كرجل وفنان، علما ان إلسا لم تسامحه قط على ما رواه عنها ورفضت مقابلته حتى وهي على فراش الموت.

         رغم كل ما يحكى عن الاختلافات الجوهرية بين مورافيا ومورانتي وانعدام التناغم بينهما، الا ان الثنائي عاش مراحل من التفاهم والتواطوء والتحفيز المتبادل التي أعطت الأدب الايطالي الكثير. ويشكل ربما صيف عام 1943 إحدى الفترات الزمنية الأكثر إثارة لاهتمام الباحثين في حياة الكاتبين المشتركة، وذلك عندما لجأ هذان الى منطقة فوندي هربا من الحرب، ونزلا في ضيافة عائلة من الفلاحين مدة تسعة اشهر الى حين وصول الحلفاء. أما الدافع الرئيسي وراء الاهتمام بتلك المرحلة فهو تشكيلها قاعدة لروايتين تتمتعان بأهمية كبيرة في البانوراما الأدبي الايطالي في القرن العشرين، هما La ciociara لمورافيا (1957) و"التاريخ" لمورانتي (1974)، اللتين روى فيهما الإثنان رؤيـة واحدة عن الحرب كل من منظاره. وقد قام الزوجان أيضا بأسفار كثيرة معا، على غرار رحلاتهما الى اميركا اللاتينية واليابان والبلدان الافريقية، ناهيك بجولتهما التاريخية في الهند مع بازوليني، وكان لهذه الأسفار والمشاهدات حضور بارز في كتابتيهما على حد سواء. ولم يكن شغف السفر القاسم المشترك الوحيد بينهما، بل كانا يدوران في الفلك نفسه ويعيشان الهواجس الفكرية ذاتها، وقد حوّلا منزلهما في روما صالونا ادبيا رفيع المستوى وملتقى النخبة في الأوساط الثقافية الايطالية، بسبب صداقاتهما الوثيقة مع كبار الكتّاب والشعراء من امثال اومبرتو سابا وساندرو بينا وبيير باولو بازوليني وايتالو كالفينو واوجينيو مونتالي وكارلو ليفي وغيرهم.

         صحيح أن إلسا عاشت بعد انفصالها عن ألبرتو بعض العلاقات العابرة، ومنها علاقتها مع الرسام الاميركي الشاب بيل مورو، أو مع المخرج لوكينو فيسكونتي، الا أن مورافيا ظل العلاقة الأساسية والمحورية في حياتها. وسرعان ما انعزلت منذ اواخر الستينات، فحبست نفسها في صمت عنيد داخل شقتها، واحاطتها الشائعات والاساطير الغريبة، فتأزمت خيبتها من العالم الى حد أنها حاولت مرّة الانتحار بالغاز. في حياة مورافيا كذلك، لم تحتل أي امرأة اخرى موقع إلسا المركزي، رغم أنه عرف بعدها حياة عاطفية متـقدة فتزوج بعد طلاقهما بالكاتبة داشيا ماراييني، واتخذ العشيقة تلو الأخرى، الى ان عاش عام 1983 قصة حب عاصفة مع الكاتبة الاسبانية كارمن ييرا التي كانت تصغره يومها بنحو نصف قرن.

         نادرا ما تناولت مورانتي، "الكاتبة المطلقة" كما يصفها كثيرون، والمرأة الحساسة والمتحفظة والانعزالية، تفاصيل حياتها الحميمة مع مورافيا، ما عدا القليل القليل الذي كتبته في يومياتها المنشورة بعد وفاتها. أما مورافيا، فقد تطرق من جهته الى علاقته مع إلسا في "حياة مورافيا" الذي كتبه بالاشتراك مع ألان إلكان بعدما رافقه هذا طوال عامين كظلّه. والكتاب المذكور سيرة ذاتية في شكل حوار، يستعيد فيه مورافيا محطات عمره المختلفة بدءا بطفولته الممهورة بمرض السل الذي سجنه في المصح اعواما طويلة، وصولا الى زواجه بكارمن ييرا عام 1986 الذي اثار ضجة كبيرة. هكذا ظل مورافيا الوجه الآخر لإلسا والعكس بالعكس حتى آخر حياتيهما. ورغم أن المقارنات والتعميمات لا تصحّ في مسألة شديدة الخصوصية كالحبّ، ورغم الكثير الذي قيل عن هذه العلاقة التي استقطبت الانظار، وعن غيرها من العلاقات التي ربطت بين كتّـاب عبر التاريخ فمثّلت الأسطورة المتحققة والعلاقة الكاملة لجمعها بين "الغرام" الفكري والعاطفي والجسدي على حد سواء، فسوف تظل الأسئلة الكبيرة المطروحة هي: هل يمكن ان تنسجم طقوس الكتابة المتطلبة والأنانية مع طقوس الحياة المشتركة التي تضاهيها تطلبا؟ هل يقبل الكاتب بشريك ليس من "بني جمهوره" حصرا وبامتياز؟ وبمّا ان كل كاتب مشروع إله، هل يمكن زواج إلهين ان ينجح؟

تحـذير: لا يسمح لأي كان أخذ هذه المواد دون ذكر كاتـبتها جمانة حداد

 ومصدر النشر،

وإلا سيُعتبر انتهاكا لقوانين حقوق النشر المرعية.

رجــوع