| |
جولة في عالم الرواية الايطالية الجديدة
دقّت ساعة "آكلي لحوم البشر" الرومنطيقيين
ملحق النهار الأدبي- 13-7-2003
أين الرواية الايطالية اليوم من كلاسيكيات القرن العشرين، على غرار "اسم الوردة" و"معرفة الألم" و"فتاة روما" و"قصص الحب الصعبة" و"المرحوم ماتّيا باسكال"؟ ما هو موقع الجيل الروائي الجديد مقارنة بالمكرّسين من امثال اومبرتو ايكو والسا مورانتي وايتالو كالفينو ولويجي بيرانديللو وكارلو اميليو غادا وايتالو سفيفو والبرتو مورافيا ودينو بوتزاتي وغيرهم كثر؟ هل يمكن ان نزعم ان تغييرات جذرية طرأت على المناخ الأدبي ما بعد الحداثوي السائد في ايطاليا اليوم؟ وهل يصحّ ان نصف اولئك الجدد بـ"أولاد ايطاليا المحروقين" تيمّنا بالتسمية الأميركية الشهيرة، ام الأجدى بنا ان نتبنّى الألقاب الصادمة التي اطلقوها هم على انفسهم، بدءا بجيل "آكلي لحوم البشر" مرورا بـ"الرومنطيقيين العصابيين" وصولا اخيرا الى أدباء الـtrash أو الـpulp؟ نعوتٌ وتصنيفات لا تحصى طوّقت هذه المجموعة، مجموعة أطاحت عددا كبيرا من المسلّمات ونجحت من دون شك في ايقاظ الرواية الايطالية من حال الخدر التي ألمّت بها خلال السبعينات والثمانينات. ولكن لعلّ أدق تلك الصفات وأكثرها تمثيلا لروح كتابتهم ونسغها، تلك التي ابتدعها إيكو حين كتب في أحد مقالاته أنهم "الكتّاب الأزليو الشباب". فلم لا "يشيخ" هؤلاء الكتّاب، وما العناصر والمقوّمات التي تجعلهم يتحدّون قانون الطبيعة؟ نكتشف ذلك من خلال جولة استكشافية تعرّفنا الى عالمهم وأبرز أعلامهم، وأيضا الى ايديولوجيتهم وأسلوبهم، أو بالأحرى الى "لا" ايديولوجيتهم و"لا" أسلوبهم.
غنائية العنف والانتهاك
شهد البانوراما الأدبي الايطالي ثلاث موجات أساسية من التجديد في القرن العشرين: الطليعية التأسيسية في بدايات القرن مع اركان الحداثة، التي تبعتها النيوطليعية في منتصفه وتجلّت خصوصا مع مجموعة 63، واخيرا موجة النيو- نيوطليعية المتمثّلة اليوم في عدد من الكتّاب الشباب الذين برزوا في التسعينات وأحدثوا تغييرا بنسبة 180 درجة وثورة ادبية و"إناسية" حقيقية وأنقذوا الرواية من فخّ النضب والافلاس الذي وقعت فيه الى حد ما بعد ذروة الستينات. هؤلاء الكتّاب، الذين مهد لهم نيكولو امّانيتي وشكّل عصبهم ونواتهم كلّ من تيتزيانو سكاربا وجوزيبي كاليتشيتي والدو نوفي بالاضافة الى روسانا كامبو وسيلفيا بالسترا وسيمونا فينشي، يسجلون بامتياز عصر "نهاية البراءة" في الرواية الايطالية. اذ انهم تحرروا من جمالية "صف الحضانة" وأوهام المراهقة، فازدادت مرارتهم واشتدّ غضبهم، لكنهما مرارة وغضب يخفف من حدّتهما واقع قبولهم عجزهم، لا عن استسلام ولامبالاة بل عن نضج وحكمة. فروح هذا الجيل هي الاختراع من طريق اللابحث، أي العودة الى عذرية الاكتشاف، الى المرحلة البدائية، الى الحديث الفجّ والصادم والعاري عن الخوف والشكوك والرغبة والقلق والقرف والوضع الموقت والعنف والكيان العابر والمستقبل المجهول والوجع والدماء والجنس: وهذه العودة الى البدائية هي العنصر الذي أكسبهم صفة جيل "آكلي لحوم البشر"، قبل ان يتحولوا في مرحلة لاحقة الى "الرومنطيقين العصابيين". ومما ورد في المانيفست الذي اصدره هؤلاء عند تأسيس المجموعة عام 1997: "إنهم معذِّبون وساديون وبلا رحمة. شهوانيون ولاعضويون... لقد حُدّدوا بـألف طريقة وطريقة. لكنهم بكل بساطة عصابيون. ورومنطيقيون. رومنطيقيون خصوصا".
تتميز كتابة "آكلي لحوم البشر" بغنائية جديدة، هي غنائية الفحش والعنف والانتهاك التي يعبّرون من خلالها عن سوء التفاهم بينهم وبين العالم وعن قلقهم الوجودي الخاص، ويحاولون القبض على الوجه الانساني واضطراباته. يشغلهم اللاتوق الى المطلق، وللادوات الاعلامية والتكنولوجية المتعددة، كالتلفزيون والكومبيوتر والاعلانات وغيرها، حضور اساسي في اعمالهم. وثمة شيء من الـ nombrilisme او الأنوية الحاضرة بقوة في أعمالهم، لكنها "انا" متواضعة، تسخر باستمرار من نفسها وتقول الاشياء بصراحة مباشرة وبلا مواربة: صراحة اعنف من ان تصدّق، مصعّدة الى حد التـقائها مع نقيضها، اي القناع.
تطوّر نحو الداخل
الفرق بين الكتاب والوسادة
ونتابع الجولة مع الكاتب جوزيبي كاليتشيتي (1967)، الذي أصدر لتوه رواية تحت عنوان "خنازير"، وهو يعني بهم مراهقي هذه الايام الذين يمضون نهاراتهم في الابحار بين مواقع البورنو على الانترنت ولا طموح لديهم سوى ممارسة الجنس، لا الحب. انهم شباب السوق الحرة، ايقونات المجتمع الرأسمالي الذين يفقدون حس الواقع تدريجا منذ صغرهم تحت تأثير العصر الاستهلاكي والمادي وغسيل الأدمغة التلفزيوني وايديولوجياته الاعلانية. وكاليتشيتي، المعروف بأنه الأكثر التزاما بين الجدد على المستوى الاجتماعي، يهدف في كتابته الى الصدم بغية احداث رد فعل وعكس حال الشذوذ التي يعيشها في نظره المجتمع الايطالي. كتبه "تزعج"، وهو الذي يردد باستمرار ان الأجدى بالباحث عن "الراحة" ان يشتري وسادة بدل الكتاب. لا يتنازل كاليتشيتي ولا يقوم بتسويات، يطلق صرخة حرب صامتة في عالم غريب وملتبس وحافل بالمبالغات الهادفة، ويتنبأ بمستقبل معتم للبشرية. أما ابرز رواياته فـ"نبض حيواني" و"رشيد، طفل عربي في ايطاليا" و"لدي ما اقوله لكم".
وماذا عن الدو نوفي (1967)، الاقنوم الرابع لحركة الجدد؟ إنه في الواقع أشدّ هؤلاء تأثرا بمؤسس مجموعة 63 الشاعر والروائي ناني بالستريني، الى حد تبنّيه اسلوب الكتابة نفسه، وهو مثال نموذجي عن الأدب ما بعد الحداثوي وتقنياته الروائية. يتمتع نوفي بالقدرة على تجديد شباب الكتابة وعلى احيائها من خلال تقديم "بوب آرت" ادبي في هيكلية مفككة تشبه البريكولاج. الا انه ليس تفككا مجانيا بل موضوعا في خدمة ازدواجية النبرة ، الجماهرية من جهة والنخبوية من ثانية. تشبه قراءته عملية الـzapping التلفزيوني، وثمة حضور لاواع للغة الاعلانية في كتابته، مجسّدا بها نشأة جيله على الغزو الاعلاني للادراك والمخيلة. يمكن ان نقول إنها روايات "خنثوية"، قائمة على شظايا قصص تدفعنا بساطتها الظاهرة الى التحليل والتنقيب بغية استنتاج القاعدة النفسية والاجتماعية التي خرجت منها. في لغة نوفي اقتباسات وأصداء كثيرة من كتّاب آخرين، لكن هذه بحسب ايكو لا تحرم المادة من شرعيتها الدلالية ولا تفقدها معانيها، بل تزيدها صدقية وتماسكا. تجسّد لغته كذلك الاذعان ما بعد الحداثوي لضرورة انخراط الكاتب في الواقع وتخليه عن الفردانية والخصوصية لكي يكون "كل شيء" و"لا شيء" في آن واحد. وليس ثمة في رواياته نهايات "مفيدة" او رسالة معيّنة، بل ان الرسالة هي بكل بساطة مشاركة الكاتب أقدار الآخرين ومصائرهم، مما يحيلنا الى "الوظيفة الشعرية" للغة التي تحدّث عنها جاكوبسون. ومن أبرز أعمال نوفي "ووبيندا وقصص اخرى" و"يا حبّي الابدي".
ايروتكية انثوية من المنشأ الى المصبّ
من غير المبالغ أن نقول ان الساحة الأدبية الايطالية تشهد في هذه المرحلة غزوا نسائيا ملحوظا، ولا شك في ان ابرز هؤلاء الغازيات الكاتبة روسانا كامبو (1963)، التي صدرت لها هذا الشهر رواية "الرجل الذي لم اتزوّج". تمثل كتابة كامبو نضوج النزق والأدب الذي يعيد النظر في الثوابت الاجتماعية والعاطفية وحتى السياسية: إنه أدب طالع من رحم الحياة، جسدي الى حد تماهيه مع الرغبات الحسية، في حبكة مشحونة بالتناقضات وتعتمد على الحوار سبيلا لتقسيم الدفق السردي وتوجيهه نحو القنوات التي تريدها. بطلاتها دائما نساء، نساء يدخلن في الحياة من طريق اجسادهن، نساء غاضبات خصوصا، يستخدمن لا اللغة المنمقة بل لغة الشارع، أي اللغة المحكية في المعيش اليومي، بغية محاربة العالم ومواجهة خوفهن وعجزهن. ولغة الشارع هذه التي تلجأ اليها كامبو هي القشرة القاسية التي تحمي شخصياتها من عدائية العالم وتمنحهنّ وهم الحرية. ومن الواضح ان الكاتبة تحاول أن تقبض من خلال الادب على بدائية الفكر الانساني والتوفيق بين هويتها الوجودية الملموسة وتلك الادبية. ومن اعمالها السابقة "في البدء كان السروال" و"عرس ماريا" و"أنا مجنونة بك".
أما الكاتبان الشابتان سيلفيا بالسترا(1969) وسيمونا فينشي(1970)، فتشكلان ظاهرة في ذاتها. اذ انّ الاثنتين نشرتا الكتاب الأول ولم تكونا قد بلغتا بعد العشرين من العمر، ونالتا منذ البداية شهرة جماهيرية واسعة ولفتتا أنظار النقاد. وهما تتميزان بكتابة في حال تحول متواصلة، كتابة تكاد تمثل "تجربة علمية" لفرط غليانها وغرابتها وسعيها الدؤوب الى نبش ثقافات الاندرغراوند ودفعها الى السطح من خلال الاسلوب والنبرة وايقاع الكلام. كتابة شجاعة وشاذة على حد سواء، لا بل منحرفة أحيانا في إغمائها وغشيانها وغثيانها، فضلا عن نبضها الايروتيكي المتوتر والمتألم، واظهارها شكلا وايقاعا هندسيين دقيقين تارة، وطورا فوضوية قصوى غير ملجومة. ونذكر من اعمال بالسترا "من دون الدبب" و"عيد ميلاد الايغوانا" و"قصة نينا"، ومن سيمونا فينشي "مثل ما قبل الامهات" و"لا احد يعرف شيئا عن الاطفال".
بين سكاربا الأجرأ لغويا وامانيتي الأكثر انتهاكا من حيث المضمون وكاليتشيتي الأشد التزاما على الصعيد الاجتماعي وبالسترا الأعمق "شذوذا"، بين هؤلاء وغيرهم من الكتّاب الايطاليين الشباب الذين يبرز نجمهم تدريجا على غرار انطونيو باسكالي وأنا لوتشيا لومونو وايزابيللا سانتاكروتشي، تتشكّل أمام اعيينا الواجهة الجديدة التي تصنع ايطاليا الأدبية اليوم: ولا يغرنّكم الطابع "المستهتر" الظاهري في كتابتهم. فغالبيتهم مثقفون جدّيون وملتزمون، يكتبون في المسرح والشعر والنقد الأدبي والرواية والبحوث الأكاديمية، مثلما يكتبون في الإعلان والأغنية والبورنوغرافيا وغيرها. ويرأسون مختبرات لغوية ومنتديات أدبية، تماما كما ينشرون يومياتهم على الانترنت ويتفوّهون بالحماقات على شاشات التلفزيون. لهذه الأسباب وغيرها، لا يسعنا إلا ان نتساءل: هل صحيح اننا نشهد في ايطاليا ولادة جنس هجين وقابل للبقاء، تمحي معه الحدود والأطر بين الأنواع الكتابية والشخصيات الثقافية المختلفة؟ وبين انتقادات معسكر "الحرس القديم" لـ"آكلي لحوم البشر" هؤلاء، والتغييرات الكثيرة التي طرأت بسببهم على العلاقة مع القرّاء، والحماسة والحيوية والغليان التي يثيرونها في بعض الاوساط ، وخصوصا في بقية الدول الاوروبية حيث بات لهم "أتباع" على غرار جوديث هيرمان الألمانية ودان رودز البريطاني وايرينا دينيتسكينا الروسية، لا بدّ من أن ننتظر بعض الوقت قبل أن نحكم على مدى استمرارية الحركة، ولكي نعرف ما إذا كان هؤلاء الرومنطيقيون الجدد من طينة الملتهِمين حقا ام، على غرار كثر قبلهم، من نسل الملتهَـمين العابرين.
تحـذير: لا يسمح لأي كان أخذ هذه المواد دون ذكر كاتـبتها جمانة حداد
ومصدر النشر،
وإلا سيُعتبر انتهاكا لقوانين حقوق النشر المرعية.