| |
سكّين الحظر والرقابة ليست "امتيازاً" عربيـاً
الكتب تُـطعن في اوروبا أيضا
"كلّ كتابٍ يُـحرَق يشعل ضوءا في مكان ما من هذا العالم"
فولـتير
ملحق النهار الأدبي- 29- 6- 2003
لم توفّر شرطة الأفكار بلدا او زمنا، وقليلة هي البلدان الغربية التي تستطيع ان تدّعي أنها لم تمارس قط اي حظر على منشوراتها. فلطالما حاولت مقصلة الرقابة أن "تـعدم" على مرّ التاريخ هذا الكتاب او ذاك، لدوافع تراوح بين الدينية والاخلاقية والسياسية خصوصا، لاسيما في ظل الأنظمة التوتاليتارية التي ارتكبت مجازر "أدبية" لا تُحصى، والطغاة الذين استغلوا نفوذهم لـقولبة أذهان الشعوب على هوى هوسهم الديكتاتوري، من هتلر وموسوليني، مرورا بالجنرال فرانكو ونظام التمييز العنصري في جنوب أفريقيا، وصولا الى كاسترو اليوم، وسواهم.
أسلحة البناء الشامل
منذ النصف الثاني من القرن الخامس عشر، اصبح الكتاب أداة تواصل واسعة النطاق في اوروبا مع تطوّر تقنيات الطباعة وتكاثر دور النشر، ومن المنطقي ان يترافق شيوع مفهوم الكتاب مع بروز أولى حالات الرقابة عليه. وكانت هذه في الدرجة الأولى من النوع الديني، موجهة ضد كتابات المصلحين والمنشقين، وقد توّجها عام 1559 وضع الكنيسة الكاثوليكية "لائحة بالكتب الممنوعة"، وهي لائحة ظل معمولا بها حتى منتصف قرننا هذا. وفي وقت لاحق، تفشى سرطان المنع الأوروبي ليدرك الكتب التي تحرّض ضد الحكّام وتنطوي على انتقادات سياسية، ونذكر في هذا الاطار قضية يوهان واسر الذي قُطع رأسه في سويسرا عام 1780 لأنه اصدر كتابا ينتقد فيه بعض أعضاء المجلس الحكومي آنذاك.
أما اذا ألقينا نظرة على لائحة الكتب الأدبية المحظورة عبر التاريخ، والتي يصفها البعض بـ"أسلحة البناء الشامل" (weapons of mass construction)، لوجدنا أعمالا تُـعدّ اليوم من تحف الأدب الغربي، من "اعترافات" جان جاك روسو الى "عوليس" جيمس جويس و"كانديد" فولتير وحتى "اوراق العشب" لوالت ويتمان، فضلا عن منشورات صدمت الرأي العام عند صدورها وغدت اليوم من الكلاسيكيات على غرار أعمال الماركيز دي ساد وجورج باتاي وغيرهما. ويُـعتبر الإنجيل المقدّس أحد أكثر الكتب تعرضا لمبضع الرقابة على مرّ الأزمنة، ويكاد القرآن الكريم يضاهيه في هذا المجال. وما زالت أعداد الكتّاب الذين يلاحقون او يسجنون او يتعرضون للتخويف والترهيب والضغوط جراء مؤلفاتهم تزداد يوما بعد يوم. كتّابٌ "تغتالهم" افكارهم وكلماتهم، هناك في البعيد، في بلدان كالصين وسري لانكا وزمبابواي وكوبا، وايضا هنا، على مقربة، في معاقل الحرية والديموقراطية على غرار فرنسا وايطاليا وسويسرا!
واذا كنّا نفهم – مستـنكرين - أن تكون الرقابة آفة لا تزال متمكّنة من البلدان الخاضعة لنير الأنظمة التوتاليتارية والقمعية، وأنها تُـطبّق أيضا في حالات استثنائية وبحذر شديد في بعض الدول الغربية في ما يتعلق بمنشورات تتناول موضوعات مؤذية او تحرّض على افعال خطيرة، كتلك المتعلقة بالمخدرات والعنصرية والمتفجرات واستغلال الأطفال - اذ ينتصر في هذه المجالات حق احترام الانسان وحمايته على حرية الكاتب - الا انه لا يسعنا إلا أن نستهول ان تطال الممارسات الظلامية كتباً لا تندرج في هذا الإطار، وذلك في أكثر المجتمعات مناداة بالديموقراطية واحتراما لحرية التعبير، على غرار ما حصل أخيرا في فرنسا مع كتاب القاضية ايفا جولي ( "أهذا هو العالم الذي نودّ العيش فيه؟") ، ومع الحكم على ناشرَين فرنسيين بالسجن ( ليو شير وجان بلانتين )، وكذلك في ايطاليا حيث انقضّت الرقابة على كتب تعرض فضائح برلوسكوني المالية فتعرّض مؤلفوها لضغوط شبه "مافيوية"، ناهيك بالحديث الدائر الآن عن مسوّدة قانون ايطالي جديد يذكّرنا بأيام صحافة النظام. وأخيرا الولايات المتحدة، حيث واجه المخرج مايكل مور انتقادات قاسية إثر صدور كتاب له تحت عنوان "رجال بيض أغبياء" وتهديدات برفع دعوى حظر على الكتاب، ناهيك بالتضييق على كتب توني موريسون وستيفن كينغ وسواهما. فما الذي يحصل في الغرب اليوم، وأترى العالم الجديد يصاب بعدوى الرقابة، بدلا من أن ينقل عدوى الحرية والتسامح اللذين يتباهى بهما؟
السجن لبودلير وديكنز ودوستويوفسكي!
لبضعة أيام خلت، هزّ خبر منع كتاب القاضية السابقة ايفا جولي الحياة الثقافية والسياسية الفرنسية. ويتناول الكتاب ملفّ دعوى Elf التي تولّتها القاضية من عام 1997 حتى عام 2002، وتصف فيه الضغوط المختلفة التي خضعت لها أثناء التحقيق، والتي وصلت الى حد التهديد بالقتل، كما تعرض للفساد المتفشي في عالم النفط وعجز رؤسائها عن حمايتها، ولكن من دون ان توجّه أصابع الاتهام الى أشخاص محددين. الا أن القاضي جان كلود ماجندي رأى أن الكتاب يشكل خطرا على حق المتهمين في "افتراض البراءة"، ولا يمكن إلا ان يؤثر سلبا على القضاة المسؤولين عن اصدار الأحكام على المتورطين في قضية اختلاس الأموال (وعددهم 37 شخصاً)، فارتأى تعليق صدور الكتاب الى ما بعد انتهاء المحاكمة في السابع من تموز، وثـبّـتت محكمة الإستئناف بدورها هذا القرار، حتى قبل الإطلاع على مضمون العمل المذكور.
وقد استنكرت القاضية السابقة، التي عادت في العام الماضي الى مسقط رأسها النروج، ما وصفته بالرقابة وانتهاك حرية التعبير، كما اعترض محامي جولي تييري ليفي على القرار مؤكدا ان ليس ثمة قانون يمنع قاضيا ما من ان تنتابه مشاعر وحالات نفسية ومن ان يعبّر عنها. وقد وقّعت شخصيات مهمة عريضة دعم للقاضية، منهم قضاة ومحامون بارزون من جميع انحاء اوروبا والعالم. ويذكّرنا وضعها في الواقع بكتاب آخر كان صدر العام الماضي للقاضي اريك هالفن، تحت عنوان "سبعة اعوام من العزلة"، هاجم فيه الكاتب الرئيس جاك شيراك فاضحا العلاقات المشبوهة بين النظام العدلي والسياسة، وخضوع القضاة لنفوذ السياسيين، انطلاقا من قضية صفقات HLM التي وجِّهت فيها أصابع الاتهام الى بلدية باريس والى رئيسها آنذاك شيراك. كما وصف هالفن بدوره التهديدات التي تعرض لها منذ توليه الملف عام 1994.
وفي فرنسا أيضا، صدرت أخيرا أحكام بالسجن وبدفع غرامات مالية ضد ناشرَين، ولسببين مختلفين تماماً. أما الناشر الأول فهو ليو شير الذي قضى قرار من المحكمة في آذار الماضي بسجنه مدة ستة اشهر مع وقف التنفيذ، بسبب نشره كتابا للويس سكوريكي تحت عنوان "سوف يصبح اسطورة" في ايلول عام 2002. والكتاب نال حديثا جائزة الماركيز دي ساد لعام 2003 ، ويروي فيه سكوريكي قصة مغامرات جنسية يعيشها بطل سادي يغتصب قاصرين وقاصرات ثم يقتلهم بوحشية مقززة. وقد لوحق الناشر بتهمة ترويجه لكتاب يتضمن وصفا لمشاهد بورنوغرافية عنيفة تحرض على الاعتداء الجنسي على القاصرين كما تحرّض هؤلاء على الفجور. ولكن اعتبر كثيرون ان اصدار حكم بالسجن على ناشر يشكّل فضيحة اكبر من فضيحة الكتاب نفسه، وذلك لأنه دليل على خلط القضاء بين الخيال والواقع، بين الكاتب والشخصية، وبين الجريمة وارتكابها. وهذا المنطق في رأي المعترضين من شأنه أن يبرّر منع جزء كبير من إرث الأدب المعاصر، ويجب تالياً المطالبة بمحاكمة ابولينير وبودلير ودي لا كروا وديكنز ودوستويوفسكي وراسين وشكسبير!
وكان الكاتب لويس سكوريكي واجه بدوره مشكلات مع الشرطة، اذ خضع للتحقيق طوال ثلاث ساعات إثر شكوى رفعها ضده النائب العام للجمهورية بهدف حظر الكتاب. ومما ورد في الرواية-الفضيحة: "كانت امي لا تتجاوز السابعة أو الثامنة من العمر عندما قتلتها. لم اعد اذكر متى تحديدا. كنّا عشيقين منذ الطفولة. دفنتُ جثتها في الحديقة، فشكرتني لأني جنّبتها الآلام المقبلة، كل آلام العالم المقبلة. وشكرتها بدوري لأنها لم تلدني. ليس تماما. أقله حتى الآن".
وفي مدينة ليون أيضا، حُـكِم على الناشر جان بلانتان بالسجن ستة أشهر في اوائل هذا العام. اما جريمته فأنه استمر في ممارسة مهنته في حين كانت العدالة منعته من فعل ذلك، وسبب المنع الأساسي تجرؤه على نشر نص يعيد النظر في موضوع محرقة اليهود.
من جهة العمّين سيلفيو وسام
ماذا عن ايطاليا؟ بلاد ليوباردي تتألم تحت وطأة ضربات متتالية، إذ تعرّض أخيرا مؤلفا كتابين حول فضائح برلوسكوني لضغوط تحاذي التخويف مع التهديد بمنع كتابيهما. وقد كتب كل من ليو سيستي وجوفاني رودجيري، ومثلهما بارولو سيلوس لابيني في مرحلة سابقة، عن ثغرات الديموقراطية الفاضحة في حكم برلوسكوني، خصوصا في ما يتعلق بالنظام العدلي وحرية التعبير والفساد المالي، علما بأن الرئيس يمارس شبه احتكار على التلفزيون الايطالي، ولم يوفّر وسيلة لكي يبيّض صفحته "الإعلامية".
من ناحية اخرى، وضِعت مسودة قرار جديد على طاولة البحث، وهو قرار اقترحه يمين الوسط ويقضي بحصر ممارسة الصحافة على الاشخاص الخاضعين لرقابة مباشرة من نقابة الصحافة، التي تخضع بدورها لسيطرة النظام ومؤسساته. وقد اطلقت منظمات الدفاع عن حرية التعبير في ايطاليا نداء استنكار ازاء احتمال تبني القرار الذي قد يحيل الإعلام الايطالي في رأيها على ما يشبه "صحافة النظام".
ضربة ايطالية ثالثة هي قضية اعادة النظر في كتب التاريخ التي ما زالت تتفاعل، وتقوم على منع بعض الكتب وتحوير جزء من مضمون أخرى. ويذكّرنا هذا الوضع بكتاب جورج اورويل الشهير الذي كان بطله موظفا في وزارة الحقيقة موكلا بـ"إعادة كتابة" التاريخ. الا ان ما يشفع بالفظاعة الاورويلية هو كونها رواية خيالية، على العكس من الفظاعة البرلوسكونية الحقيقية جدا.
اما في الولايات المتحدة، ارض العجائب والغرائب التي لطالما استوعبت ما لا يُـستوعب، فقد اتضح انها ليست محصنة ضد لوثة الرقابة، بعدما رُفِعت دعاوى حظر فردية أخيرا ضد المخرج الأميركي مايكل مور، الذي انتقد جورج بوش اثناء حفلة توزيع جوائز الاوسكار بسبب حربه على العراق. أما سبب الدعاوى فكتاب أصدره مور تحت عنوان "رجال بيض اغبياء" ينتقد فيه بشراسة سياسة الحكومة ويشكك في حرية الانتخابات ونزاهتها بناء على تجربة الانتخابات الأخيرة. وجدير بالذكر ان الكتاب ضرب ارقاما قياسية في المبيع بعد "اطلاق سراحه". وليست الرقابة غريبة على الولايات المتحدة بقدر ما قد يخيّـل للمرء، اذ شكلت اميركا – ولم تزل - احد اكثر المجتمعات طهرية وتزمتا وازدواجية، وُمنعت فيها كتب كثيرة على مر التاريخ، الى حد انها خصصت اسبوعا للكتب الممنوعة في شهر أيلول من كل سنة، تشرف عليه منظمات الدفاع عن حقوق الانسان وحرية التعبير. وقد طالت الرقابة في الماضي جمهور القراء القاصرين في شكل رئيسي، من خلال حظر مآثر على غرار طوم سوير وهكلبري فين لمارك تواين، وقصة ليلى والذئب، وبعض مسرحيات شكسبير، و"ذهب مع الريح" لمارغريت ميتشيل وغيرها. حتى كتاب هاري بوتر، الذي صدرت منه الحلقة الخامسة حديثا وبيعت منه ملايين النسخ منذ اول ايام صدوره وبات يشكل "هوسا" في الغرب، حتى هذا الكتاب – الظاهرة عانى الرقابة بدايةً بسبب اتهامه بالتشجيع على السحر والشعوذة. ولم تقتصر دوافع الرقابة الأميركية على المبررات الاخلاقية كضرورة حماية القاصرين وحظر الكتب التي تحرّض على ادمان المخدرات وعلى الكراهية العنصرية، بل شهد تاريخ العم سام ايضا حالات رقابة سياسية على غرار منع مانيفست الحزب الشيوعي وكتاب "دكتور زيفاغو" لبوريس باسترناك مثلا.
ممحاة الديكتاتور
قد تبدو للوهلة الأولى حادثة كتاب ايفا جولي فريدة من نوعها في بلد كفرنسا، الا ان الرقابة السياسية طالت ارض العدالة والاخوة والمساواة مرات كثيرة، ونذكر منها قرارا صدر منذ وقت غير بعيد، وتحديدا في كانون الأول من عام 2001، يقضي بمنع دار "كارنو" من توزيع كتاب لجان لو ايزامبير تحت عنوان "الإعتماد الزراعي خارج على القانون"، أو على الأصح بتعليق توزيعه الى حين دخول اسهم المصرف في البورصة، بناء على الزعم بأن نشر معلومات حول اعمال المصرف سوف يؤثر على سمعة هذا ويضرّ بتسعير أسهمه. وفي المرحلة نفسها، هاجم وزير الداخلية بشدة كتابا للقاضي كليمان شولر ينتقد فيه الأخير الشرطة وعمليات التفتيش الاعتباطية التي يمارسها عناصرها أحيانا، اذ اعتبر الوزير ان الكتاب يندرج في باب القدح والتشهير ومن الضروري حظره.
ولا يمكن ان نتطرّق الى مسألة الرقابة السياسية في اوروبا من دون ان نذكر رقابة الانظمة الديكتاتورية التي مرّت على القارة خلال القرن العشرين، من الفاشية والنازية وصولا الى الفرانكوية في اسبانيا. ولم يكن المنع يطال اصدار كتبٍ "محرّمة" داخل البلاد فحسب، بل كذلك استيراد الكتب الثوريّة من البلدان الأخرى. واذا ما اخذنا اسبانيا في الاعتبار مثلا، كونها الأحدث اوروبياً في التحرر من الديكتاتورية، سنجد أن الرقابة فيها انعكست الى حد بعيد على دينامية العلاقة بين أدبها وادب البلدان الأخرى، اذ كان السبيل الوحيد للمعرفة يكمن في تهريب الكتب وتبادلها سرّا، وأبرزها كتب همنغواي ويوسا وغبرييل غارسيا ماركيز. وكان عدد كبير من أعمال الأدباء الاسبان يصدر في بلدان أميركا الجنوبية، على غرار كتب خوان مارسي التي صدرت في المكسيك ولم تُنشر في اسبانيا الا بعد وفاة فرانكو. كذلك كان بعض الكتّاب ينتقدون الديكتاتور بواسطة أسماء مستعارة على غرار ما فعله مانويل فاسكيث مونتالبان. وكثر هم الكتّاب والمفكرون الإسبان الذين اودعوا السجن او قتلوا بسبب كتاباتهم، ولا ننسى طبعا في هذا الإطار قضية اغتيال الشاعر الكبير فيديريكو غارسيا لوركا.
كذلك لا يمكن ان نتحدث عن رقابة الطغاة من دون ان نعرّج على كوبا، حيث تاريخ كاسترو حافل بقضايا اضطهاد الكتّاب وانتهاك حرية التعبير، وليست اقلّها أهميةً قضية الكاتبين كابريرا انفانتي وارماندو فالاداريس، والأخير حلّ ضيفا على السجون الكوبية طوال 22 عاما بسبب كتاباته المعارِضة للحكم. وجدير بالذكر أن فالاداريس، السفير السابق لدى لجنة حقوق الانسان وصاحب كتاب "ضد كل الآمال"، كان قد نشر في الشهر الماضي مقالا عنيفا فيel Diario de las Américas في ميامي، يتهم فيه الروائي الكولومبي غبرييل غارثيا ماركيز بأنه عميل لنظام كاسترو ومتواطىء مع الديكتاتور الذي يمحو تدريجاً فكر بلاده. ويطالب الكاتب الكوبي بإنزال أشد العقوبات بماركيز، مذكّرا بأنّ فرنسا اعدمت احد ابرز كتابها، غي دي لا روشيل، غداة تحررها من الاحتلال النازي، لأنه كان عميلا للمحتلين الألمان. كما ذكّر فالاداريس بقضية سَجن الشاعر الأميركي عزرا باوند في ايطاليا على ايدي جيوش التحالف بسبب خطابه المتعاطف مع الفاشية، مطالبا بعقوبة مشابهة لـ"العميل" ماركيز.
هل ماتوا حقـا؟
وفي إطار ديكتاتوري يتخذ وجها آخر، هو قناع الرقابة التاريخية، التي يصح أن ندرجها كذلك في إطار الرقابة السياسية لأن دوافعها سياسية بامتياز، لا بد أن نذكر الرقابة التي مورست ولم تزل تمارَس على الكتب المتعلقة بإعادة النظر في محرقة اليهود: من روجيه غارودي واريك دي لا كروا مرورا بديفيد ايرفينغ وصولا الى يورغن غراف وجيرارد فوستر، قضايا المنع المماثلة تتكاثر كالفطريات الى ما لا نهاية. ويعاني عدد كبير من البلدان ذات التقاليد "الديموقراطية" العريقة من سرطان الحظر الخبيث هذا، بما فيها النمسا وفرنسا وكندا وسويسرا وألمانيا وبلجيكا وبولونيا. ونورد من القضايا على سبيل المثال ادانة ارنست زوندل في كندا في الثمانينات لنشره كتابا عام 1974 تحت عنوان "هل مات حقا ستة ملايين شخص؟" ينكر فيه حصول المحرقة. ونورد ايضا كتب روجيه غارودي، وخصوصا "الأساطير المؤسسة لإسرائيل"، الذي يهاجم فيه اليهود ويشكك في الهولوكوست وفي دقة نتائج محاكمات نورمبورغ، مؤكدا ان اسرائيل استغلت اسطورة "الملايين الستة" لجني مصالح سياسية هائلة. ونذكر أيضا وأيضا المحامي الفرنسي اريك دي لا كروا الذي لوحق كتابه "شرطة الفكر" الصادر عام 1994 وتعرض لاجراءات الرقابة، والمؤرخ السويسري يورغن غراف الذي حكم عليه بالسجن مدة سبعة عشر شهرا عام 1998 بسبب مؤلفاته التي تعيد النظر في المحرقة وانتقاده كتاب هيلبرغ الشهير "إبادة الاوروبيين اليهود" الذي يعتبر مرجعا في الموضوع. وأخيرا قضية المؤرخ البريطاني ديفيد ايرفينغ الذي اعلنت محكمة لندن العليا إفلاسه في العام الماضي بعدما خسر دعوى تشهير ضد المؤرخة الاميركية ديبورا ليبستاد التي اتهمته بإنكار المحرقة في كتاب له يعود الى عام 1994. وكانت تلك المرة الأولى تشهد فيها بريطانيا محاكمة من هذا النوع، حيث لم يكن نفي المحرقة يشكل جنحة قبلا.
لغة بلا ملابس داخلية
قد تبدو نادرة للوهلة الاولى قضايا منع الكتب بناء على مبررات اخلاقية في الغرب، اذ لطالما شكلت تلك المجتمعات نموذجا في "هضم" الكتابات الصادمة من كل جنس ولون، واتاحت هامشا كبيرا من التسامحية إن على صعيد الكتابات الجنسية الفاضحة او تلك المتعلقة بنواح اخرى من الحياة الحميمة. الا ان تاريخ اوروبا لم يخل من قضايا الحظر هذه، منذ ايام "مدام بوفاري" لفلوبير و"لوليتا" لنابوكوف و"عشيق اللايدي شاترلي" لـد.هـ. لورنس، مرورا طبعا بكتب الماركيز دي ساد، وصولا الى قضايا أخلاقية اكثر حداثة، منها قضية منع كتابٍ للدكتور غوبلر، طبيب فرنسوا ميتران الشخصي عام 1996، لانه انتهك فيه السرية الطبية، وأخيرا قضية كتاب لويس سكوريكي التي تطرقنا اليها آنفا، وقبلها بوقت قصير، في فرنسا ايضا، كتاب Rose bonbon لنيكولا جونز غورلان. وكان هذا الكتاب الصادر عن دار غاليمار اثار في العام الماضي ضجة كبيرة ومواجهة بين منظمات الدفاع عن حقوق الطفل وتلك التي تتولى الدفاع عن حرية التعبير، وقَسَم القراء والحكومة على حد سواء. والرواية في الواقع عبارة عن مونولوغ يروي فيه قاتل ومنحرف جنسي يدعى سيمون مغامراته الجنسية والدموية مع أطفال.
وقد رفع وزير الداخلية الفرنسي في أيلول 2002 دعوى تقضي بمنع بيع هذا الكتاب، فضلا عن شكاوى متتالية رفعتها ضده منظمات إنسانية مختلفة، على غرار منظمتي l’Enfant Bleu و Fondation pour l’enfance، مطالبة بحظره بناء على قانون يعود الى عام 1949 ويتعلق بالمنشورات التي قد تشكل خطرا على الشباب. الا ان معسكر المدافعين عن حرية التعبير استنكر المنع والخلط بين الواقع والوهم ومحاسبة الروائي على مخيلته، كما انتقد مظاهر ادعاء العفّة والفضيلة الكاذبة. وتدخل وزير الثقافة جان جاك أياغون شخصيا آنذاك لوقف الملاحقة القضائية دعما لحماية حرية الخلق ضد اي رقابة على الفكر والتعبير، واعتبر ان منظمات حماية الطفل "تخطىء الهدف بمهاجمتها الأدب".
كذلك اثار الكتاب جدلا واسع النطاق حول ظاهرة تكاثر هذا النوع من الكتابات في فرنسا، التي لطالما تمتعت بحياة جنسية "ثرثارة" وبوّاحة. واتُّـهِم كتّاب على غرار ألينا ريّس واريك بينييه بوركل وسواهم بتأسيس ما يسمى "اكاديمية التفاهة" القائمة على تعليم الاوصاف الجنسية المبتذلة والعنف المجاني من خلال لغة "بلا ملابس داخلية" تعويضا من نواقص ادبية فاضحة.
التسامح في الدرجة صفر
أما من ناحية الرقابة على الموضوعات الدينية، فحدّث ولا حرج. ومن المناسب هنا ربما بدء الحديث بالتذكير بكتاب فولتير الشهير "بحث في التسامح"، الذي صدر عام 1762 وكان متحورا حول قضية كالا الشهيرة، والذي سجل بداية عصر التنوير والخطوة الأولى في اتجاه الحداثة. ويشكّل ذلك البحث أبرز حجر زاوية في الكفاح من اجل الحرية والتسامح ضد التعصب والتطرف.
واذ نلفت الى ان الإنجيل المقدس والقرآن الكريم تعرضا للمنع في مراحل زمنية مختلفة، قد تكون أحدثها قضية حظرهما في الاتحاد السوفياتي بين عامي 1926 و1956، نشير الى أن سلطات مختلفة عمدت الى إحراق كتب دينية على مر التاريخ، ونورد هنا قضية امرأة صدر عليها حكم بالسجن في سنغافورة عام 1996 لامتلاكها ترجمة للإنجيل بحسب شهود يهوى. وما زالت بعض الحكومات تمارس رقابة ضيقة على المنظمات الدينية ومنشوراتها، ونذكر مثال الصين التي صادرت عام 1999 كتب بدعة "فالون غونغ" وأتلفتها.
أما اشهر حالتي منع ديني للكتب في القرن العشرين، فمن غير المبالغ القول إنهما قضيتا "تجربة المسيح الأخيرة" للكاتب اليوناني نيكوس كازنتزاكيس، و"آيات شيطانية" للبريطاني الهندي سلمان رشدي.
وكازانتزاكيس (1883-1957) من ابرز الكتّاب والشعراء والفلاسفة في القرن العشرين، وقد عمد البابا عام 1954 الى ادراج كتابه ضمن لائحة الكتب الممنوعة من الفاتيكان. وقد واجه الأديب، الذي ترشح لجائزة نوبل وخسرها عام 1956، قضايا مختلفة من المنع او الرقابة خلال حياته، الى حد ان الكنيسة الارثوذكسية لم تسمح بعرض رفاته في أتينا. إلا أن أعماله ترجمت الى ما يزيد على 45 لغة، وقدّم المخرج مارتن سكورسيزي فيلما عن كتابه الصادم "تجربة المسيح الأخيرة"، علما أن الفيلم أثار الاستنكار واجراءات المنع نفسها في عدد كبير من البلدان.
أما لجهة "آيات شيطانية"، فقد خلق كتاب سلمان رشدي من جهته عاصفة استنكار جامحة في العالم الإسلامي وجلب على كاتبه حكما من الخميني بإهراق دمه. وحُظر الكتاب القائم على المزج بين الفانتازيا والدين والميثولوجيا في البلدان الإسلامية، ومنع في الهند حتى قبل صدوره. كذلك يمكن ان نورد في هذا الإطار كتاب Plateforme لميشال هولبيك الصادر منذ نحو عامين والمعادي للعرب والإسلام، اي القائم على التمييز الديني والعنصري على حد سواء، والذي لوحق أمام محكمة الجنح بغية حظره، الا انه لم يدن بحجة انه "عمل أدبي". واستغرب البعض عدم استفادة أعمال "أدبية" أخرى من المعاملة نفسها.
عالم مونتاغ الرهيب
ولكي نتجاوز المعيش الى الأدب، والرقابة الى ما كتب عنها، لا بد من أن نختم الجولة بالحديث عن برادبوري واورويل. في الواقع، كثر هم الأدباء الذين تناولوا موضوع الحظر والرقابة في أعمالهم، وقد اخترنا من هذه عملين: كتاب "فاهرنهايت 451" للأميركي راي برادبوري، الذي يصف فيه مجتمعا مستقبليا قائما على نظام قمع مرعب، ممنوع فيه الكتابة والقراءة. فالكتب غير قانونية ولا وقت لقراءتها اصلا، لأن التلفزيون يحتل كل المساحة من خلال بثه البرنامج نفسه تكرارا على مدى 24 ساعة. أما البطل فهو الإطفائي مونتاغ المكلّف حرق الكتب، حتى لو تطلب ذلك حرق المنازل التي تحويها والناس الذين يرفضون التخلي عنها. وقد حول المخرج الفرنسي فرنسوا تروفو الكتاب فيلما نال شهرة كبيرة. وهذه الرؤية المرعبة عن مستقبل الانسانية تمثل المعركة بين الرقابة والحرية وتقدّم صورة عما يمكن أن تؤدي اليه أنظمة القمع وتخدير الشعوب وتقييد الفكر والتعبير.
أما العمل الثاني فتحفة جورج اورويل "1984"، التي تصوّر بدورها مجتمعا خياليا، حيث الرقيب لا يكلّ ويمكن الشرطة أن تقرأ الأفكار. أما البطل فوينستون الذي يعمل في "وزارة الحقيقة" ويقوم عمله على "تصحيح" ملفات التاريخ. وهدف الكاتب الى انتقاد الأنظمة التي تسيطر على الناس من خلال الكذب والرقابة، ركني التوتاليتارية.
نشير اخيرا الى أن وحش المنع فقد الكثير من "مخالبه" وهيبته ونفوذه مع حلول الثورة التكنولوجية وانتشار الكتاب الالكتروني، الذي الغى الوسطاء وسبل اعتراض طريق الكتب. وأصبحت شبكة الانترنت وسيلة فاعلة لمكافحة الرقابة، من خلال منظمات تستخدمها اداة لنشر الأعمال الممنوعة والتشهير بممارسات الرقابة في جميع انحاء العالم.
قال شاتوبريان يوما: "يجب ان نوزّع ازدراءنا بتـقتير، فكثر هم الذين يستحقونه". محقّ هو شاتوبريان، فكثرٌ كثرٌ هم خانقو الحريات الذين يستحقون ازدراءنا اليوم. محقّة هي ايضا القاضية ايفا جولي، بطلة الساعة في المعركة على الرقابة، فأينما نظرنا غربا وشرقا، شمالا وجنوبا، نرى عالمنا يزداد شبها بعالم مونتاغ الرهيب، ولا نجد بدّا من أن نسأل معها: "أهذا هو العالم الذي نودّ العيش فيه؟ أيعقل أن يكون هو هذا؟".
تحـذير: لا يسمح لأي كان أخذ هذه المواد دون ذكر كاتـبتها جمانة حداد
ومصدر النشر،
وإلا سيُعتبر انتهاكا لقوانين حقوق النشر المرعية.