| |
حوار مع الشاعر الفرنسي ميشال دوغي
العودة الى الغنائية لا تخفف من عزلة الشعر
جريدة الحياة-4-11-1999
ميشال دوغي شاعر فرنسي يكاد يكون نسيجا وحده في الحركة الشعرية المعاصرة، شاعر متفرّد لا ينتمي الى جيل ولا الى مدرسة بل الى تجربته الخاصة جدا التي جمعت خير جمع بين الشعر والفلسفة، بين الصنيع اللغوي والتأمّل، بين الحداثة والاصالة.
وإن عرف ميشال دوغي ( مواليد 1930) كشاعر مجدد ومثقّف عبر دواوينه الكثيرة وعبر مقالاته في الشعر والفلسفة فهو عرف ايضا عبر مجلته "شعر" التي أسسها منذ أكثر من عشرين عاماً وباتت احدى اهم المجلات الشعرية في فرنسا اليوم. وقد شاءها منبراً للاصوات الجديدة و"القديمة" وحقلاً للترجمة الشعرية من لغات العالم أجمع.
ميشال دوغي يزور بيروت حالياً مشاركاً في "مهرجان جورج شحاده" ويلتقي الليلة قرّاءه اللبنانيين في ندوة شهرية يشارك فيها الناقد شريف مجدلاني والشاعر شوقي عبد الامير. ويقرأ الشاعر مختارات من شعره بالفرنسية وترافقها ترجمات بالعربية في كلية الاداب في جامعة القديس يوسف.
* أحب ان أبدأ بالحديث عن كتابك ما قبل الاخير "الى ما لا ينتهي" الذي اعتمدت فيه اسلوب المرثية الاغريقية القديمة. لماذا اخترت هذا النوع الادبي او الشعري القديم لتستعيد ذكرى زوجتك الراحلة، علماً بان النشيد مقطّع كما لو انه نص ينتمي الى الحداثة، بل أكثر من ذلك، كما لو انه من نوع الكتابة التجريبية؟
لا يمكن حقاً القول ان هذه الكتابة هي نوع ادبي في حد ذاته بالمعنى الدقيق للكلمة. الكتاب نشيد جنائزي ينتمي الى الحقبة اليونانية القديمة، ولطالما كنت على علاقة وثيقة باللغات اليونانية. انا اراه قصيدة نثر طويلة جدا من مئتي صفحة تقريباً، اتنقّل فيها بين أسلوب وآخر، فأكتب تارة نوعا من الرثاء، وطورا الشعر واحياناً حكاية صغيرة اروي فيها على سبيل المثال قصة نرسيس على طريقتي. انه عمل يشبه الى حدّ بعيد عمل المؤلف الموسيقي: استخدم مقامات مختلفة وأنغاماً متعدّدة لأؤلّف نشيدي هذا. وهو لا ينتمي الى نوع الكتابة التجريبية بمعنى انني لا اسعى خلاله الى تقديم ادب طليعي مجدد. لكنه متحرر جدا وقد ألغيت فيه ترقيم الصفحات لأظهر طابعه الدائري. انها دائرة الموت، حلقة مقفلة لا تكف عن الدوران، وأردت أن أبيّن هذا الامر في كتابي الذي لا تحتاج قراءته الى تسلسل او ترتيب معيّن.
* عندما نعود الى كتبك نلاحظ انك اخترت الشاعر الفرنسي من القرن السادس عشر دوبلليه وكتبت عنه كتاب "قبر دوبلليه". لماذا دوبلليه؟ هل ترك عليك أثراً وما الذي يجمعك فيه وانت من القرن العشرين ؟
في رأيي ان دوبلليه اخترع الغنائية الفرنسية للأزمنة الحديثة. شهد الادب معه انفتاحاً على امكانات غنائية جديدة، وأسلوبه المتحسّر شكل من اشكال الاستناد الى كل ما غاب والارتباط به واسترجاعه. انه نوع من العلاقة الحاسمة بالزمن الحاضر بقدر ما هو نشيد لأطلال، كما لو ان الطريقة الوحيدة لاستبقاء الماضي وحفظه هي الشهادة على غيابه. هو اذا سعي الى ادامة الغياب عبر جعل آثار الماضي غير قابلة للإمحاء. وقد أعجبني دوبلليه كذلك في انه كان مقتنعاً بأنه فاشل كلياً : كان ثمة سوء تفاهم مأسوي بينه وبين نفسه ساهم في تصعيد حدّة غنائية التحسّر لديه. مالارميه في هذه المعنى يشكّل ثاني أكبر لحظة في تاريخ هذه العلاقة مع الماضي. اذ ان اللعبة الشعرية في رأيي مرتبطة الى حد بعيد بلعبة الظهور والغياب – واعني الغياب في كل أبعاده: الاحتجاب النسيان الرحيل، الموت…الخ ، ودوبلليه هو الاول في سلسلة ادى فيها مالارميه دوراً رئيسياً. لذا كان هذا " القبر " في آن واحد قراءة لنصوص دوبلليه، وتحية، خلال قصائد كتبتها أنا، لتمجيد ذكراه. لقد قصدت ان أحييه بالاخلاص له وبخيانته على حدّ سواء، اذ لم يكن المطلوب تقليده، خصوصاً ان دوبلليه نفسه كان من اكبر الرافضين للتقليد.
* هناك سؤال آخر يواجه قرّاءك ، وهو انتقالك في الترجمة من الالماني هولدلن الذي شاركت في ترجمة كتاب هايدغر عنه ، الى الشعر الاميركي عبر مشاركتك في ترجمة مختارات في عنوان " عشرون شاعراً اميركياً ". كيف استطعت التوفيق بين هاتين الذائقين ، بين النزعة الميتافيزيكية الوجودية المتمثلة في قراءات هايدغر لهولدرلن ، والنزعة الاحتياجية واليومية والحميمة التي يتميّز بها الشعر الاميركي؟
أولاً ، يمكن ان أقول في بساطة انها من مصادفات الحياة ، اذ صدف انني درست الالمانية في الثانوية ، ودرست من ثم الفلسفة. من جهة اخرى لم أكفّ عن الذهاب الى الولايات المتحدة كل سنة منذ عام 1960 وانخرطت في الوسط الشعري الاميركي المعاصر الذي يتميّز بالتبادلات الشعرية التي تتم على نحو طبيعي وكثيف. من جهة اخرى، لا يمكن القول انه تقارب متصنّع او مغتصب. السؤال المطروح هنا هو: "من أين أتينا؟". لقد أتينا جميعاً من الشعر، وننتمي كلنا الى موطن شعري فلسفي واحد، فالعلاقة بين الفكرين الالماني والانكليزي قديمة جدا، اذ تعود الى زمن الرومنطيقية التي كانت قضية المانية وانكليزية في الوقت نفسه. رحم الشعر الرومنطيقي هذا، هو الذي احتضن علاقات الفكر الفلسفي والشعري التي ما زلنا نعيشها حتى اليوم. وأوساط الشعر الاميركي المعاصر مرتبطة هي الاخرى باوروبا، بالمانيا وانكلترا، وتطرح السؤال نفسه الذي يحدد جوهرها: "من اين اتينا". لذا لم يكن ثمة جهد خاص تحتّم علي بذله ، وكان هذا التقارب ، هذا التوفيق بين النزعتين ، عملية طبيعية للغاية بالنسبة اليّ. ليس هذا التقارب دخيلاً او غريباً اذا ، بل ينبع من أجواء حميمة واحدة ، هي أجواء الانتماء الى عالم الشعر والفلسفة الاوروبيين.
* تغلب على معظم شعرك النزعة الفكرية ، حتى انك تسمّى " الشاعر الذهني " فما رأيك بهذه التسمية ؟
لا أحبّذ كثيراً هذه التسمية ، ان شعري على الاصح هو شعر الافكار، شعر تجريدي بمعنى انه مجرد من الانفعالات والعواطف. أحب ان يقال عن شعري انه شعر "ذكي" يتصارع مع الافكار والمفاهيم، لكنه بعيد كل البعد عن " الاحتقان الذهني". والفن الشعري في نظري يقوم في الدرجة الاولى على التساؤلات التي يطرحها الشعر على نفسه. لا يمكن الفصل بين الاشياء والكلمات والافكار: انها الاقطاب الثلاثة للمثلث الشعري، أي لا يمكن ان يكون شعر من دون افكار ومن من دون فلسفة. العلاقة بين الشعر والفلسفة هي علاقة جوهرية، تعود الى الجذور ، الى الاصل ، وهي اساسية وتكوينية للاثنين على حد سواء. لم تأت الفلسفة لتقلق الشعر، بل ليسموا معاً. اعتقد ايضا ان على الشعر ان يحفظ ذاكرة تاريخه ، أي لا يمكن للشعر الا يستشهد بالشعر. ان اكون "ذهنياً" يعني ان اكون صاحب ذاكرة غنية ، ولا يمكن ان نحقق شيئاً من ذون ذاكرة ، فهي في رأيي تغذّي الشعر.
* الا تعتقد اذا ان الفلسفة تهدّد جوهر الشعر اذ تحيله الى عمل ذهني محض؟ كيف ترى الى هذه العلاقة الجدلية بين الشعر والفلسفة ، وهل يمكن للفلسفة ان تحلّ مكان الشعر او العكس ؟
الفلسفة لا تهدد الشعر ، ولا يمكنها ان تحل مكانه ، فالفنون متعددة ، لكنها مرتبطة دائماً واحدها بالآخر. وتقوم هذه العلاقة في رأيي إلى مبدأ المواكبة. المواكبة مهمة للغاية لان كل عنصر يحقق اقصى ما يمكنه تحقيقه بفضل الآخر. علاقة التعاون هذه تشكّل جوهر الفن بالنسبة اليّ. الشعر هو احد آلهة الفن والفلسفة كذلك، لكن المهم هو دوارنهما معاً ، الرقصات التي يؤديانها معاً ، ذوبان واحدهما في الاخر من دون ان تنطمس هويتاهما. ليس ثمة تهديد على الاطلاق، فالفلسفة تنتمي الى الادب، وهي تتحدث بلغة الجميع، طبعاً التعقيد موجود، لكنني اعود لاكرر اهمية المواكبة. يمكن الفلسفة السيئة ان تهدد الشعر ربما العكس هو الصحيح.
* في اطار هذه العلاقات بين الشعر والفلسفة ، الا تعتقد ان هذا النوع من الشعر يوسّع الهوة بين الشاعر والقارئ، خصوصاً ان عدد قرّاء الشعر ينخفض اكثر فأكثر يوماً بعد يوم؟ وهل من الممكن ان تشكّل العودة الى الغنائية نوعا من المصالحة بين الشعر والجمهور؟
تكمن المشكلة في ان الشعر بات في القرن العشرين لا اجتماعياً، غير قابل "للمعاشرة" اذ صح التعبير. فالتجارب الشعرية المتتالية انكبت على حذف علامات تمييز الشعر، كالقافية والوزن وغيرها. لقد انسحب الشعر كلياً من اللعبة الغنائية. ولا اعلم اذا ما كانت العودة الى الغنائية اسلوباً للتخفيف من عزلة الشعر ، لكن الذنب ليس ذنب الفلسفة. السؤال الذي يجب ان نطرحه على الاصح في هذا الاطار هو : كيف يمكن الشعر ان يكون على مستوى زمنه؟ من جهة اخرى، يعاني الشعر مصير الادب عموماً . ثمة قلق شامل، وازمة عامة. لذا من المهم ان يتحالف الشعر مع الفنون التي يمكنها مواكبته. وحدها هذه التحالفات قادرة على انقاذ الشعر وعلى جعله اجتماعياً واليفاً من جديد. آمل ان الطريق ليس مسدوداً. آمل انه ليس مصيراً يذهب حتماً الى الكارثة.
* تقول في احدى قصائدك: " كل صورة هي صورة فكرة ". هل هكذا تفهم مبدأ الصورة الشعرية؟
يهمني هنا ان يؤخذ مفهوم " الصورة " في كل ابعاده. وانني استخدم هذه العبارة لاقول ان كل فكرة هي مجازية. لا يمكن ان يتم صوغ الأفكار على نحو ليس مجازياً او استعارياً . اقصد أن أقول ان الفكر يصنع صوراً في كل مجالات الحياة. ان نفكّر يعني في معنى ما ان نصوّر العالم والشكل لا يمكن ان يظهر الا بواسطة الفكر الذي يقول الشيء تصويرياً او مجازياً. انها عبارة ذات طابع جدلي.
* تقول في قصيدة اخرى "ما لا يمكن قوله يجب كتابته" كأنك تردّ هنا على جملة شتاين الشهيرة "ما لا يمكن قوله يجب كتمانه". فكيف تربط بين القول والكتابة وبين الكتابة والصمت؟
في رأيي ان الصمت الداخلي مملوء بالكلمات. لا أؤمن في وجود صمت لا يعجّ بالكلام الداخلي. ثمة أشكال عدة للصمت والفرق بينهما قابل للتفسير. لكن ليس ثمة فرق جوهري بين التفكير والقول والكتابة. المهم هو التعبير، اكان فكرياً أي بين المرء وذاته، او شفهياً او كتابياً . الصمت هو استمرار التفكير، لكن من دون اشراك الاخر فيه. المحادثة ، مهما كان الشكل الذي تتخذه، أمرّ جوهري في نظري.
* منذ عامين خصصت عدداً مميزاً من مجلتك محتفلاً بعشرين عاماً على ولادتها. كيف تصنّف هذه المجلة التي أهم ما يميزها في رأيي انها كانت منبراً مفتوحاً للتيارات الشعرية الجديدة والتجريبية في فرنسا والعالم، اكثر من كونها مجلة تيار او مجموعة ، مثلما كانت على سبيل المثال مجلة L’éphémère
تبلغ مجلة Poésie الان 22 عاماً من العمر ، وهي موجودة لتبقى. ثمة في الواقع نوعان من المجلات الادبية. نوع يبذل ما في وسعه طوال بضع سنوات ثم يتوقف، ونوع اخر قابل للاستمرار. مجلة Poésie مكرسة لاربعة اهداف رئيسية تولى الاهمية نفسها: اولاً: ترجمة الاعمال الشعرية من كل الازمنة وكل الثقافات ما يشكّل مطمحاً ضخماً. ثانياً: احتضان القادمين الجدد الى عالم الشعر. ثالثاً: المعالجة الفلسفية والتاريخية والادبية لقلق الشعر على طبيعته وجوهره ومحاولة الاجابة عن سؤال: ما هو الشعر؟ رابعاً: استرجاع نصوص قديمة منسية واعادة وضعها قيد التداول. انها مجلة قد يكون عيبها الوحيد نزعتها الى الانتقائية. ليس ثمة نوع ادبي غريب عليها، باستثناء الرواية بسبب حجمها الكبير. ونعدّ من حين الى آخر اعداداً خاصة، اذ خصصنا على سبيل المثال احد الاعداد للشعر الكوري المعاصر. انها اعداد يتطلب تحضيرها بذل جهود هائلة ووقتاً طويلاً، لكنني راغب حقاً في تخصيص عدد للشعر اللبناني المعاصر.
تحـذير: لا يسمح لأي كان أخذ هذه المواد دون ذكر كاتـبتها جمانة حداد
ومصدر النشر،
وإلا سيُعتبر انتهاكا لقوانين حقوق النشر المرعية.