| |
الشـعر مثل الحبّ لا يرتوي أبدا
يحيا البطّاط- مجلة الصدى- الإمارات- 2-2-2003
كتبت الشاعرة اللبنانية جمانة حداد، ذات مرّة، تتحدّث عن نفسها: "علقتُ سهوا في الحياة، ورغما عنـّي، ولكي لا أقع من حافة الضجر، نذرت يدي لأغلاط حميمة".
ولعل الشعر كان واحدا من الأغلاط الجميلة التي اقترفتها يد جمانة، فهي تصف الشعر بأنه كائن مجنـّح، وصاعق في جنونيته وعبثيته، وتقول عن اقترافه بأنه مجازفة دائمة وكاملة بالذات الداخلية، مثل التحليق في الليل او في الضوء، وأنه مثل الحب، ما إن يتحقق حتى يشعر صاحبه بأن عليه أن يبدأ من جديد، لأنه لا يرتوي أبدا.
ولدت الشاعرة جمانة حداد في بيروت عام 1970، وعملت مترجمة في جريدة النهار، يساعدها في ذلك اتقانها لسبع لغات، من بينها الايطالية والفرنسية والاسبانية والانكليزية، وترجمت العديد من الشعراء بينهم الشاعر ايمانويل ميناردو في مجموعته "لمسات الظل" وتعمل الآن على اعداد انطولوجيا للشعر الايطالي في القرن العشرين باللغة العربية. أما اصدارات جمانة الشعرية فهي "وقت لحلم" 1995 (بالفرنسية) و"دعوة الى عشاء سرّي" 1998 و"يدان الى هاوية" الذي صدر عن دار النهار عام 2000.
سألتها في بداية حواري معها عن حدود الشعر في عالم صاخب ومفترس كعالمنا، وقلت لها: الى اي مدى يستطيع لشعراء توصيل رسالتهم الى الآخرين والتأثير فيهم، من يصغي الى الشعراء ؟ ومن يجرؤ على مشاركتهم لقمة قوامها الكلمات وعوالم مسكونة بالدهشة والطفولة والفرح ؟
ج- الصمت يصغي الى الشعراء. العناصر الأربعة. الغيوم . الكسل . الرذاذ بعد منتصف الليل ممزوجاً بشيء يدعى الضباب. الشجر يصغي اليهم أيضاً. والشعر خصوصا. وأراني أتوهم أن بعض القراء يصغون اليهم أو يتأملون كلماتهم ويتلقون رسائلهم. وهذا يكفي بالتأكيد ...
س- ألا تظنين ان الشعر يبقى في أحسن حالات استقباله هما جمالياً؟
ج- لا ، ليس الشعر هماً جمالياً فقط. إنه هم إنساني أولاً وأخيراً . بمعنى أنه لا يستطيع أن يعيش فقط بسبب جماليته. هو يحيا أساساً لأن إنساناً ما، في لحظة كونية ما، وفي مكانٍ ما داخل أعماقه، يريد أن يقول شيئاً لا يتوافر له الخلق أن يقوله في كل لحظة. وهو يقوله في هذا المكان وفي هذا الوقت، لأن عليه أن يخرجه الى الضوء، وعليه ان يرتاح منه .الهمّ الجمالي أكيد ، لكن العبء المترافق مع الجمالية هو الذي أسميه إنسان اللغة. وهذا الانسان بالذات هو الذي يعنيني من العملية الشعرية كلها.
س- ذكرت في مداخلتك الجميلة في موقع إيلاف : أن الشعر مقيم فيك جنباً الى جنب مع حواسك وغرائزك ولا وعيك، بوصفه الرحم الذي يضمك إليه ويمنحك الشعور بالأمان ... لذا أسألك ممن ورثت جمرات الشعر، وكيف استطعت الإمساك بها لتوقدي منها جمرتك الخاصة ؟
ج- ورثت الشعر أولاً من حيواتي السابقة، ومن جسدي الذي تعيش فيه سبع نساء هنّ " أنواتي" اللواتي يتزاحمن او يتآلفن أو يتصارعن في ما بينهن ويجعلنني أرثهن وأشتعل رويداً وكثيراً بجمرهن. وقد ورثت الشعر أيضاً عن شعراء معلومين ومعروفين في العربية والفرنسية وهم قلة لكنهم كونيون، ومنهم أنسي الحاج ومحمد الماغوط وبول ايلوار ورينيه شار، ويجمعني بهم أنهم أنجزوا في ميدان الحواس والغرائز واللاوعي ما يشعرني بأنه جزء لا يتجزأ من كياني الشعري وحيواتي السابقة والحالية.
س- وذكرت أيضاً بأنك ستكونين أمينة للشعر عندما تعتبرينه مجازفة دائمة وكاملة بالذات الداخلية. ما هي طبيعة هذه المجازفة وما حدودها ؟
ج- مجازفة طبعاً. وهل يكون الشعر سوى مجازفة ؟ أعني أني عندما أكتب، أحمل حياتي الى الحافة الخطرة. الحافة التي تجعل وجودي بأكمله على شفا الوقوع والتحطم أو على شفا النجاة والخلاص عبر الكلمات. ذاتي كلها تقف هناك. وعندما تقف، في إمكان حتى نسمة الهواء أن تدحرجها الى الجحيم. هذا ما أعنيه بالمجازفة. ولأجل ذلك اعتقد أن الكلمات هي التي تحول دون الوقوع الأخير، أو تجعل الوقوع عذابا لذيذا لا شفاء منه وخسارة جميلة ككل الخسارات التي نريدها.
س- بوصفك صحافية ومترجمة في جريدة النهار، إلى أي مدى لعبت الصحافة دورا في نمو وتطور تجربتك الشعرية ؟ ألا ترين أن العمل الصحافي يأكل دائماً من جرف المبدع على حساب إبداعه ؟
ج- انّ العمل الصحافي، لا بل كل عمل قد يمارسه الشاعر في رأيي، هو لصّ رشيق يحترف سرقة الوقت خصوصا، ولكن لاعتبارات حياتية لا مفر منها للأسف. صحيح اذا أنه يأكل، لكنه يأكل ما يستطيع أن يأكله. أما الباقي فليس معرضاً للتبدد والالتهام لأنه عميق ويحتاج الوصول اليه الى صبر وسهر وانتظار وتعب وكد وبذل. وهذه مما لا تستطيع الصحافة ولا الترجمة ولا غيرها أن تناله من تجربتي الشعرية. أما الترجمة فمفيدة جداً من كونها تدريباً يومياً على استخدام اللغة وردم الهوة بين اللغات.
س- لديك اهتمامات بترجمة الشعر من اللغتين الايطالية والفرنسية. هل فكرت في مقولة أن ترجمة الشعر تنطوي على خيانة للنص المكتوب بلغته الأم؟
ج- هي خيانة بالتأكيد ، وذلك حتمي مهما كان المترجم بارعاً. ولكن ألا ترى معي أن الكتابة نفسها هي خيانة لما كان يريد الشاعر أن يكتبه ولم يستطع أن يكتبه بالذات، بل كتب ما يقترب منه ؟ ألا ترى معي أن الشاعر يخون نفسه باستمرار كلما شاء أن يكتب شيئاً محددا ، فاذا به يكتب شيئاً آخر؟ لذلك لا أتردد في اعتبار الترجمة خيانة قدرية جميلة...
س- لمن ترجمت من الشعراء الايطاليين والفرنسيين؟
ج- من الفرنسيين الذين ترجمتهم ايلوار وشار ورامبو وهنري ميشو وغيوفيك ومن الايطاليين اونغاريتي و سباربارو وكوازيمودو وبافيزي ومونتالي وبرتولوتشي كما ترجمت من الشعر الانكليزي والأميركي والاسباني ومن شعر أميركا اللاتينية.
س- لفت انتباهي أنك تكتبين الشعر باللغتين العربية والفرنسية، وربما بالايطالية، هل ثمة فرق في طرائق وآليات التعبير الشعرية بين اللغتين، ثم اسمحي لي أن أسأل إن كنت تجدين نفسك منحازة الى لغة على حساب أخرى في الجانب الشعري؟
ج- كل لغة تحمل حقيقتها وآلياتها وطرائـقها. لا أستطيع أن أكتب بالعربية وأفكر بالفرنسية. والعكس أيضاً صحيح. على الشاعر أن يعيش اللغة التي يكتبها. أن يكونها خصوصاً. وإلا صارت الكتابة لغة خالية من الحياة أو شيئاً عادياً جداً. في حين أن الشعر – لكي يكون – عليه أن يخترق الحجب والسطوح ليصل الى الأعماق، الى المناطق المظلمة من اللغة، حيث لا يصل سوى الذين يملكون القدرة بالكلمات على الوصول الى هناك. فلكل لغة لاوعيها. ولكل لغة لغتها. ولأجل ذلك على الشاعر الذي يكتب شعراً بلغات متعددة أن يكون هذه اللغات، وإلاّ ذهب ما يكتبه هباء. كغيمة صيف عابرة.
س- بعد أحداث 11 سبتمبر، التفت الغرب الى العرب وثقافتهم. كيف تقيمين هذه الالتفاتة وهل تجاوزت تلك الصورة النمطية المرسومة للعربي من أنه بدوي يمتطي جملاَ وخلفه مشهر الصحراء الرهيب ؟ أم أن الصورة تكرست، واضيف اليها المزيد من السواد والعتمة ؟
ج- في المعنى العام والسائد، ازدادت الهوة بين الغرب والعرب، بسبب نمطية الإعلام السائد هناك والسائد هنا، وبسبب رواج مقولة صراع الحضارات. هناك ماكينات اقتصادية وسياسية وإيديولوجية ودينية وفكرية تحرّك السلطات والمجتمعات، وهناك مصالح هائلة تنظّم العلاقات بين الشعوب، سلباً أو ايجاباً. أما الشعراء فيقيمون في أمكنة أخرى، وهم وإن كانوا معنيين بما يجري في العالم بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001، فإنهم لا يستطيعون أن يغيّروا شيئاً كثيراً مما يجري في المجتمعات. عملهم يظل فردياً، وعلى مستوى اللغة الشعرية، لا على مستوى لغة التخاطب. أما عالم المثقفين والصحافيين والمفكرين، فالمسألة أكثر إشكالية لديهم، وأعتقد أن بين هؤلاء وأولئك، شرقاً وغرباً، من مجالات التواصل أو التجاذب أو التعارض ما يجعل الملاعب التي يتحركون فوقها أكثر قابلية للنقاش والجدال والتفكير والتأمل مما هي الحال عند الشعراء بالذات. أهل الرواية قد يكونون معنيين ربما اكثر من الشعراء، بسبب الحاجة الى "موضوع" يتحدثون عنه في رواياتهم. أما الشاعر، فروايته هي لغته والإنسان المقيم في هذه اللغة.