قصيدتي هي حياتي ذاتها

صالح دياب- جريدة نداء الوطن اللبنانية- 2-12-1998

 القصيدة التي تكتبها الشاعرة جمانة سلوم حداد انحاء من الجغرافيا الداخلية للذات الانثوية ، من موقع متكافئ ، حوار مع الآخر مبثوث ضمن قول شعري يشخص الاستيهامات ويحيل على جوانية تميل الى الجرأة ، مقدار اكتنازها بالبوح ، كأنما الكتابة لديها هي الوجه الآخر للجسد. هنا حوار مع الشاعرة حول مجموعتها الشعرية الاولى " دعوة الى عشاء سري " الصادرة أخيراً :

 

س- تديرين ظهرك في القصائد للهيمنة الذكورية ولسياقاتها المعرفية ، وتكتبين بحرية. كيف تخلّصت من كميات الضغط على المستوى الشعري ؟

 

ج-  لا تنفصل القصيدة لديّ عن خلفيتها الشعورية والعقلية. فأنا اسعى في قصيدتي الى ان اكون امينة الى اقصى حد لما اعيشه في داخلي ولما أفكر فيه. لا اجد صعوبة كبيرة في ان اكون من أنا : امرأة تفكر هكذا ، وتكتب بأقصى درجة ممكنة من الامانة لما تفكر فيه. لا أشعر حيال الهيمنة الذكورية بأني في معركة ، وبأن عليّ ان انتصر فيها. الامر ليس كذلك. انها حياتي فحسب ، وانا اكتبها بما يشبه تفجّر الماء من النبع. طبعا ثمة بيني وبين المفهوم الذكوري للحياة وللشعر مسافة كبيرة ، لكني لست مهتمة بـ " محاربة " هذه الهيمنة ، بل أنا بالأحرى مهتمة بعيش حياتي وممارسة افكاري بحيث تكون كتاباتي ، اكثر ما تكون ، مرآة لدواخلي الانسانية وافكاري واحاسيسي . ولا اعتقد ان هناك كميات من الضغط على المستوى الشعري كي أتخلّص منها.

 

س-  ثمة حوار مشروط مع الاخر داخل فضاء القصائد. الا تخشين الوقوع في نقيض الهيمنة الذكورية ، أي النسوية ؟

 

ج- الاكيد ان هناك حوارا حادا مع الاخر داخل القصيدة ، لكني لست معنية ، في المقابل ، بالترويج لهمينة نسوية. المشكلة ان الكثيرين يعتقدون بضرورة احداث "انقلاب" . اما انا فلا. ذلك ان المسألة أشد بساطة. ثمة سوء تفاهم في العلاقة بين الرجل والمرأة، وثمة لديّ، في المقابل، رأي آخر في هذه العلاقة ، مفاده انهما يستطيعان ان يكونا خارج منطق الهيمنة، أي انهما يستطيعان ان يكونا في موضع ثالث ، لا المرأة فيه هي الاولى ، ولا الرجل ايضاً. هذا الموضع الثالث أراه ، في شعري كما في حياتي ، خالياً من السلطة ، سوى سلطة الحب بالذات. وفي هذه السلطة لا غلبة لاحد على آخر ، بل الغلبة تكون للحب، ولا يمكن هذا الامر ان يتحقق الا اذا تخلّى الطرفان عن " ايديولوجيا " الهيمنة. وهذا امر صعب. لكني من جهتي ، اعيشه واكتبه متخلية عن معنى السلطة. ففي " منطق " الحب ، لا مكان للهيمنة ، التي ربما تشعرنا دائماً بالحاجة الى الخروج والتحرر من " الامر الواقع".

 

س-  تعرّين الهيمنة الذكورية العالية ، لكن من موقع متكافىء. كيف ذوّبت ذلك في القصيدة ، وما عناصر هذا التكافؤ التي أشعتها ؟

 

ج- هذا التكافؤ مردّه الى الصدق الذي أتعامل به مع نفسي. فأنا شديدة التعلّق بأفكاري ومتطلباتي، ولا أعرف أن أتنازل عما أؤمن بأنه يشكّل جوهر حياتي الداخلية. لا أستطيع ان اكون غير ما انا عليه. قد لا أستطيع أن أعيش كل شيء ، في المعنى الاجتماعي والعام للحياة، لكني على الاقل اعيش ما احبّ ان أعيشه في رأسي وفي تكريم الاستيهامات التي تشكّل جزءاً كبيراً من حياتي. أعرف اني أسافر كل يوم وكل لحظة احياناً، وأكون هنا وفي مكان آخر. وهذا السفر هو نوع من الخروج على هذه الهيمنة التي يصنعها الذكر وتصنعها الحياة على حد سواء. وأستطيع أن أؤكد لك اني، اذ أفعل هذا، أنقل ما افعله من الحياة الى القصيدة. تسألني عن عناصر هذا التكافؤ؟ أجيبك انها عناصر داخلية قوية وعميقة ومتجذرة في روحي وجسدي، وربما لا استطيع ان اواصل حياتي اذا خنتُ هذه المكانة التي تحتلها هذه العناصر في داخلي. واذ انا هكذا  يمكنني ان اعترف لك بأن الشعر لديّ ليس سوى هذه الامانة لجسدي وروحي. وقد لا استطيع ان اكتب شعراً اذا ارادت قصيدتي ان تخون افكاري. في هذا المعنى، قصيدتي تتكلّم عني ، وأكاد أقول لك إنها حياتي ذاتها.

 

س- مناخات القصائد تحيل الى التضاريس الداخلية للانثى المذعورة والخائفة والمرتابة. كيف نجحت في الوصول الى هذه المنطقة الجريئة؟

 

ج- المذعورة الخائفة ؟ لا. اما المرتابة فصحيح. قصيدتي هي ارتيابي الدائم ليس من الحياة والاخرين فحسب، بل ومن كل شيء على الاطلاق. هذه الريبة سببها اني اشك. وفي هذا الشك كل العذاب اللذيذ الذي يعانيه الانسان في علاقته مع الافكار التي يؤمن بها، والناس الذين يحبهم، والاماكن التي يرتادها والاشياء التي تربطه بها علاقة حميمة. يكفيني ايضا اني مرتابة وان هذه الريبة صادقة وتسكن اعماقي حتى اسعى الى نقلها بأمانة العبور من الداخل الى الخارج بأقل ما يمكن من المباشرة. واعتقد اني كلما عكفت على الاهتمام بعملية العبور هذه، استطيع ان احرر قصيدتي من قيودها. وهذه مسألة صعبة وخطرة . اذ يجب عليّ ان اكتب تفاصيل ارتيابي من دون ان توقعني هذه التفاصيل في المباشرة. اعود لأؤكد لك ان الامر طبيعي جدا لديّ. واني لا أفعل الشيء الكثير: ادخل فقط الى اعماقي وانقل اليكم ما أراه وما أشعر به وأفكر فيه. وهذا الارتياب هو بعض هذه الاعماق.

 

س- تتكلمين عن الحب، لكنك لا تحولين الاخر محل غزل ومديح ، هل تحدثيننا عن ذلك ؟

 

ج- غزل ومديح ؟ قطعاً لا . فأنا لا يمكنني ان افعل هذا ، لأنني لا اريد لكتاباتي، ولا لحياتي هذا المصير. انت تعرف ان الشعر ، شعر الغزل والحب ، يعيش في أزمة حقيقية لان الصورة التي ألصقت به تعوّدنا فيها ان نرى الرجل الشاعر يتغزّل بالمرأة. انا لا اريد ان افعل العكس ، بل ان أفتش عن مكان ثالث ، يتحرّك فيه شعري ويصنع تجربته خارج منطق الغزل المتعارف عليه. واني اسعى في كتاباتي لان اعيش اجتماع الذكورة والانوثة في مكان واحد وفي شخص واحد، فاكون ، اذ اكتب ، انما اجسّد حصيلة هذا الشعور المكتمل.

 

س- الكتابة عندك هي مجازفة دائمة بالذات الداخلية. هل تحدثيننا عن مزجك فضاء التلفظ بفضاء الرغبة في القصيدة ؟

 

ج- ليست هذه هي مسألة الكتابة فحسب. انها خصوصاً مسألة الحياة. حياتي مجازفة يومية، افكاراً وواقعاً. واعتقد ان هذه المجازفة تتغذى من الرغبة مثلما تتغذى من الواقع الذي يعاش، وفي رأيي ان لا مسافة فاصلة بين فضاء التلفظ وفضاء الرغبة. فهما يتداخلان ولا يبتعد احدهما عن الآخر ابتعاداً انفصالياً. اللفظ عندي هو جزء من فضاء الرغبة. اللغة التي أكتبها هي بعض رغباتي الروحية والجسدية. الكتابة هي أيضاً رغبة، ورغبة لا تقف عند حد. وفي امكانك ان تتصور كل ما يمكن ان تتصوره على هذا المستوى. وأقول لك اني اشعر، عندما اكتب وعندما انتهي من الكتابة، بشيء يشبه النشوة الحسية. وهذا جزء حقيقي من كياني.

 

س- الجسـد في القصائد هو سؤال الكينونة الوحيد. لكن فضاءاتها تتضح بالحسي والإيقاعات والشعور. ما علاقة ذلك بالعملية الشعرية في حد ذاتها ؟

 

ج- صحيح. وصحيح أيضاً ان فضاءات القصائد تنضح بالحسي والشعور والايقاعات، لكني لا احب تعقيد الامور وعقلنتها . انا اكتب ولا اغرق في التفكير المجرد. وربما تحتاج كتابتي الى ما مزيد من التأمل حيال راهنها وما تسعى اليه. مثل هذا يتبلور مع استمرار التجربة وكيفية التشدد حيال القصيدة ذاتها بعد ان تكتمل وتجد شكلها النهائي. وأعتقد ان الجسد ، اذ هو حضور قوي في القصائد ، لا ينفصل عن كونه غير حسي ايضاً. فالجسد هو الروح وكلاهما موجود في الآخر. حسية الجسد لا تنفصل عن كينونته الروحية، واحاول في شعري ان احمي هذه الثنائية الداخلية.

 

رجــوع