| |
اللغة التي أكتبها مأدبة شهوة
حوار مع محمود منير
مجلة تايكي
جمانة حداد شاعرة وصحافية ومترجمة لبنانية ، مولودة عام 1970، تعمل منذ عام 1997 في جريدة النهار اللبنانية، محرّرة في صحفتها الثقافية وملحقها الأدبي الاسبوعي، إضافة إلى إجرائها سلسلة من الحوارات مع كتّاب عالميين من أمثال امبرتو ايكو وبول اوستر وجوزيه ساراماغو وايف بونفوا وباولو كويلو وبيتر هندكه وآخرين. تتقن سبع لغات، و ل ها ترجمات في الشعر والرواية والمسرح لعددٍ من الأدباء العالميين، وهي في صدد تحضير دكتوراه في موضوع الترجمة الشعرية. اصدرت جمانة حداد أربع مجموعات شعرية هي: " وقت لحلم " عام 1995 ، " دعوة الى عشاء سري " عام 1998، " يدان إلى هاوية " عام 2000، "عودة ليليت" وهو ديوانٌ صدر منذ ايام عن دار النهار للنشر في بيروت. كذلك صدرت لها مختارات في القاهرة عن دار كاف نون للشاعر حلمي سالم، في عنوان "لم ارتكب ما يكفي"، بالاضافة الى مختارات سوف تصدر قريبا في البرتغال، هي "النمرة المخبوءة عند مسقط الكتفين"، عن دار "كيتسال" في لشبونة. حول تجربتها كان لنا معها هذا الحوار:
لنبدأ حوارنا من الأحدث، وتحديدا من مجموعتك الرابعة التي صدرت اخيرا، "عودة ليليت": من هي ليليت، ولماذا عادت؟
ليليت هي المرأة الأولى. جاء ذكرها في الميتولوجيات السومرية والبابلية والأشورية والكنعانية، كما في العهد القديم والتلمود. تروي الأسطورة أنّـها المرأة الأصلية، التي خلقها الله من التراب على غرار آدم. لكنّ ليليت رفضت الخضوع الأعمى للرجل وسئمت الجنّة، فتسبّب امتـناع ها عن طاعة آدم بنشوب خلافات حادة بـينهم ا، انتهت ب هروب ها. أرسل الله ثلاثة ملائكة لإرجاعها، لكنهم وجدوها تلهو على شاطىء البحر الأحمر. يومذاك أبت ليليت العودة الى "قفصها الذهبي"، ف كان العقاب ب أن نفاها الله الى غير رجعة وقضى عليها بأ ن تظل شريدة ابداً ، وان تعيش في ال أ ماكن المقفرة من الأرض، بـين الظلال الموحشة و الحيوانات الكاسرة . ثم خلق من ضلع آدم المرأة الثانية، حوّاء. ليليت هي إذا في اختصار المرأة المكتمل قمرها الأسود بقمرها الأبيض، و ترمز اسطورتها الى الوجه الحرّ والأبيّ والشهواني من النفس ال أ نثوية . لماذا رجعتْ، تسألني؟ رجعت لكي "تحرّر الرجال من حواءاتهم" ولكي تعيد لذة المعصية الى النصاب.
تبدو لي ليليت نسوية الميول، اليس كذلك؟
لا، أبدا، ليليت مع الأنوثة ضد النسوية. طبعا حاولتْ بعض فروع التيار النسويّ استغلال صورتها كرمز للمرأة المستقلة التي تنافس الرجل وتحاربه، وللمرأة المسترجلة التي تتخلى عن أنوثتها وتطالب بالمساواة من منطلق عدائي كاره للرجل. وثمة أيضا تفسير شرير لليليت في بعض الميثولوجيات، تفسير يقرنها بالمرأة التي ترفض الإنجاب، بحجّة انها شيطانة دموية عاقر تأكل الرجال بعد الجنس وتهاجم الأطفال وتسرق الأجنة من امّهاتهم. لكنّ ليليت التي يعلن كتابي هذا قدوم مُلكها، والتي هي أنا، وهي أخريات ممن يشبهنها في هذا العالم، هي المرأة المكتملة الأنوثة: لا تعتبر علاقتها بالرجل حربا، بل تراه ندّها وشريكها. لا هو يريد إخضاعها، ولا هي ترغب في السيطرة عليه. عدوّها ليس الرجل، بل غالبا المرأة الحوائية، أي أنثى الواقع المرّة الناقصة المسطّحة. أما ليليت، أكانت زوجة أو عشيقة أو ربّة منزل أو صاحبة مهنة أو أمّاً أو كل ذلك معا وغيره، فهي المرأة القوية بأنوثتها، الذكية في جبروتها واستقلاليتها وطموحها كما في خوفها، وغير المستضعفة في ضعفها. هي، كما اقول في احد المقاطع، "ما ينقص الرجل كي لا يندم وما ينقص المرأة كي تكون".
الجسد هو منبع الحياة وحضورها الصاخب، وهو المسافة الممتدة بين الخلود والعدم. هو خيارنا المتغيّر والساكن، وحسب مقولتك تعيش في جسدك أنت سبع نساء، وهذا ما تؤكدينه في الاهداء عند بداية مجموعتك الجديدة، اذ كتبتِ: "الى النساء السبع اللواتي يُقمن فيّ". فكيف تعبرين من جسدك الى القصيدة، وما هي المناطق الجديدة التي ذهبت اليها في رحلتك عبر هذا الجسد المتعدّد؟
أعرف اني أسافر كل يوم وكل لحظة احياناً، وأكون هنا وفي مكان آخر. وهذا السفر هو نوع من الخروج على الهيمنة التي تصنعها الحياة اليومية وتفاصيلها . و اذ أسافر ، أنقل ما ا راه من الحياة الى القصيدة. أما المناطق التي أزورها فهي مناطق داخلية قوية وعميقة ومتجذرة في روحي وجسدي، وربما لا استطيع ان اواصل حياتي اذا خنت ُ تلك الأمكنة التي يحفل بها داخلي. و يمكنني ان اعترف لك بأن الشعر لديّ ليس سوى هذ ه الأسفار المتعددة بين أ جس ا دي وروحي. بين نسائي السبعة والعالم. حلمي؟ أن اصل يوما الى النقطة القصوى. الى حيث سيلفحني اللهيب لفحاً.
تظهر قصيدتك كتجلي لحظات صدق مع الذات، حيث روحك شفافة عارية من الزيف والأحمال الزائدة. هل تنظرين الى هذا الصدق على أنه انتصار لقصيدتك الى جانب كونه انتصارا إنسانيا؟
هو ليس انتصارا بل قل إنه قدر. لا يسعني إلا ان اكون صادقة، في قصيدتي وحياتي على السواء. قد يكون في الأمر بعض العناد، إلا أنّي شديدة التعلّق بأفكاري ومتطلباتي ، وألتهم الحياة التهاماً. ربما لا أستطيع أن أعيش كل شيء اجتماعي ا، لكني أحاول. أما بقية ما اشتهيه فأنتظره لأنه سيجيء لا محالة، وفي تلك الأثناء أعيشه في رأسي . في هذا المعنى، أنا قصيدتي وقصيدتي أنا الى حدّ التماهي التام، ونحن نعيش علاقة غرامية قائمة على "الأوراق المكشوفة".
قصائدك في مأدبة الشهوة وتفتّح الأنوثة تحمل بعضا من المجازفة. كيف ترينها؟
مجازفة؟ ربما، ولكن لم لا؟ وهل أجمل منها؟ اعتقد ان هذه المجازفة تتغذ ى من الرغبة مثلما تتغذى من الواقع الذي يعاش . اللغة التي أكتبها هي أيضا مأدبة شهوة، مأدبة رغباتي الروحية والجسدية. الكتابة رغبة، لا بل رغبة لا تقف عند حد. حتى ان ن ي اشعر، عندما اكتب وعندما انتهي من الكتابة، بشيء يشبه النشوة الحسية. وهذا جزء حقيقي من كياني. كما ذكرتُ لك للتو، اسعى في قصيدتي الى ان اكون امينة الى اقصى حد لما اعيشه في داخلي ولما أفكر فيه. ورغم ما قد ينطوي عليه هذا الالتصاق من مجازفة، ل ا اجد صعوبة كبيرة في ان اكون من أنا: امرأة تفكر هكذا، وتكتب بأقصى درجة ممكنة من الامانة لما تفكر فيه .
اللغة هي تجلي احساسنا بالحياة. ما الذي اثراه في تجربتك الشعرية معرفتك بعدة لغات؟
علاقتي باللغات تشبه اكثر ما تشبه الهوس. مذ كنت ُ صغيرة سكن تن ي حمّى اللغات ، الناجمة جزئياً عن شغفي بالمطالعة. الفرنسية والانكليزية تعلّمتهما في المدرسة، أ ما ال أ رمنية فمن جدّتي لوالدتي . ثم عندما بدأت دراستي الجامعية أرفقتها باللغات . كان حلمي أن اقرأ اونغاريتي بالايطالية فبدأت ُ بها، و علّمتها بدوري بعد ذلك طوال سنتين. ثم كرّت السبحة: أ لمانية ريلكه، فإ سبانية لوركا، التي سأنتقل منها اليوم الى البرتغالية. أعرف أني جشعة ولن أكتفي: إذ أفكّر أن ثمة لغة ربما في مكان ما من هذا العالم لا أشكّ حتى في وجودها، أو قصيدة من شأنها ان تقلب حياتي رأسا على عقب، وأنّي على الأرجح لن أقرأها يوما، وذلك يستفزّني. وهو نهم يغنيني كثيرا من دون شك، غالبا من حيث لا ادري، اذ يتغلغل من لاوعيي الى وجداني الشعري ويتكثف فيه كالغيم قبل المطر. صدّقني، أغدو مختلفة مع كل لغة، وأريد أن أحاول نقل أصوات "الجمانات" اللواتي فيّ.
لقد أنشأتِ موقعاً لك على الانترنت، فماذا عنه؟ وهل تردّين على الرسائل كلها التي تصلكِ؟
نعم، أنشأتُ موقعاً لي في عنوان www.joumanahaddad.com . هو في مفهومي نافذة للتواصل الشعري موازية للكتاب من دون أن تحلّ مكانه، وزوّاره شعراء وقرّاء من مختلف أنحاء العالم. أحاول طبعا أن أردّ على معظم الرسائل، رغم بعض التأخير الفادح أحيانا. يحلو لي أن افكّر أن هذا الموقع عالمي، كوكبي، بيتي الذي أستضيف فيه اولئك الذي يشبهونني وأشبههم، وقد بات عندي أصدقاء وصديقات أحبّهم حدّ شعوري بأنهم من لحمي ودمي، رغم أني لن ألتقيهم يوما على الأرجح وجها لوجه.
تقولين في مجموعة سابقة: "سأحدثكم عن الطريق. علمتني أن أضيع. أن اضيع كي اكون". هل تعتبرين الطريق أهم من الغاية؟ وكيف ترين حياتك على ضوء هذه المقولة؟
لطالما كانت الطريق هي اللذة، وفي الوصول شيء من الخيبة. أعشق الطريق مذ كنت طفلة، وعبر الكتب تعلّمت أن أشق دروبي. ماذا يعني الوصول؟ أن الانتظار انتهى. ان أوان الاشتهاء فات. يا لها لحظة محزنة. الشعر ايضا طريقي، ومعه لا وصول. كيف ارى حياتي بناء على هذه المقولة؟ متاهات تتوالى واضيع بينها حتى تنقطع أنفاسي.
ما هي الدهشة التي تفتقدينها؟
ما من دهشة أفتقدها، لأن المرء لا يفتقد سوى ما عرفه او ما يتوقّع قدومه، وفي تلك الحال لا تعود تسمية الدهشة تصحّ. لذلك سوف أخبرك بدلا من ذلك عن لحظات الدهشة التي أعيشها أحيانا وأخاف عليها مني، أي من تهديد إحساسي بالشبع منها: مثلا، دهشتي لحظة ينظر إليّ حبيبي كأنه يراني للمرّة الأولى. دهشتي لحظة يده في يدي. دهشتي لحظة يهمس لي إبني قبل أن يغفو: "ماما هل تتزوجينني؟". دهشتي لحظة تصعقني قصيدة أو مشهد أو موقف حدّ البكاء. دهشتي لحظة تخترق شِعري روحُ قارىء غريب. دهشتي لحظة أتذكّر كم أني محظوظة. دهشتي لحظة أتذكّر كم أني ملعونة. دهشتي أمام شفتين متلهفتين على كتفي، أو ذكرى تينك الشفتين. وأخيرا وليس آخرا، دهشتي أمام كل باب جديد ينفتح.