| |
قصّة خيانة
وقعتُ في غرامه منذ اللمسة الأولى، ووقع في غرامي، وقد حصل ذلك من دون مقدّمات ولا سابق معرفة أو إنذار. كان يكفي مروره الأزرق على مقربة من أحلامي الطفولية ذات ليلة كي تشتعل نار ما بيننا، كي ينزل عليّ كالصاعقة وأنزل فيه كالمطر.
أحببته لأنه كان مثلي، يفضّل القلق على الطمأنينة، والشغف على الهدوء، ولأني مثله كنتُ شرسة على حنان، ومزاجيّة على ثبات. جنّ بنعومة أصابعي ودختُ من فرط غيومه، فأقسمت على الوفاء له الى الأبد، في السرّاء والضراء، في الفقر والغنى، وفي البوح والصمت والبوح.
وحده كان لديه القدرة على إسعادي وإتعاسي. ألتهم عطاياه فتتكاثر، يفترسني فتزداد كنوزي. أصبح المدفأة والبرق، الأخضر والدمع، الجمرة والضوء الخافت. صرتُ أمتشقه في الغياب والخدر والجموح، وصار لا يروي ظمأ رأسي سوى رذاذ هواجسه، ولا رفيق لي في وحدتي إلا ظلّه الشاهق.
"أنت العشيق الذي لا يمكن أن اتخلّى عنه ما حييت": لطالما ردّدت هذه الجملة على مسامعه. كان من أسخى العشّاق وأنبلهم، كلما جئته استقبلني بهدية: قصيدة جديدة، قصّة غير منتظرة، خاطرة مجنونة، وردة أو صفعة على خدّ وردة.
ولكم نهرته ونهرني، وعذّبته وعذّبني، وعاقبته ونجّاني. ولكم أيقظته في منتصف الليالي، ثم تجاهلته ساعات وأياما، ولم يتذمّر مرّة. ولكم غفوت وهو بين يديّ، يهمس لي أسمائي حلماً وراء حلم وراء حلم.
قصّة حبّنا استمرّت أعواما طويلة، لكنها، كمعظم قصص الحبّ، أدركت في أحد الأيام نهايتها. وقعت عيناي على عشيق آخر، جذّاب وذي مؤهلات مدهشة، فلم أتمالك إلا أن اقارن بينهما: هذا سريع فيما ذاك كان بطيئا، هذا نظيف ومرتّب فيما ذاك فوضوي، هذا "مودرن" وعمليّ فيما ذاك تقليدي. فهجرته ولم أنظر الى الوراء.
لا ازعم أني نسيته، فما كان بيننا لا يمحى بـ"كبسة زرّ". أحيانا نلتقي مصادفة، فأحييه ويحييني، نتصافح بتهذيب الغرباء، لكني أشعر بأنه حاقد عليّ. يحدث طبعا أن أحنّ إليه، لكني أعترف بأني سعيدة مع عشيقي الجديد. خفيف الظل هو ومسلّ، رفقته مفيدة وممتعة، قدرته على الاستيعاب مذهلة، ويحفظ كلماتي حرفا حرفا. أما صوري فمطبوعة كلّها في ذاكرته، وقد أصبحتُ بفضله أكثر ارتياحاً ورشاقة وتدفّـقاً. كيف لا وهو يلبي حاجاتي، لا بل يلبي حتى تلك الحاجات التي كنتُ أجهل أني احتاج اليها!
لم الكذب والنفاق؟ لستُ بنادمة على طلاقي من البيك الأزرق من أجل عيون الـ PC ، ولكن حذار أن ينام هذا على حرير مفاتيحه، فأنا لن أتردد في ارتكاب خيانة جديدة إذا ما التقيتُ بعشيق أفضل.
أليس هو من علّمني الـ Delete ؟