جوع

 

أنظرُ إليه ممدّداً بكسلٍ على السرير قبالتي. صامت، جذّاب، رزين، غامض غير قابل للاختراق. يا له محترف غواية! هو لا يقول كلمة واحدة، ولكن كلّ ما فيه ينادي: تعالي، تعالي! كلّ ما فيه دعوة محمومة اليه. إنتظر حبيبي ، أجيبه بدلال بيني وبيني، عليّ أن أكمل عملي. كن صبورا، سوف يحين دورك.

أدّعي قوةً وأنا في قمّة ضعفي أمامه، أتظاهر بالرصانة ومسامي تطالب به بركانا بركانا. أغرز أظافري في راحة يدي كي أتمالك جوعي. أحسّ به يراقبني، أدير له ظهري، يحرق وهم لهاثه عنقي من الخلف. هو ليس لجوجا حقا، لكنّ الرغبة التي يثيرها فيّ لجوجة، بل وطاغية. ولا هو متملّك، لكنّ إغراءه ديكتاتور مستبد.

أتراه يعرف كم أشتهيه؟ هل يشعر بتلك النار التي تلهب رأسي وجسدي وتكاد تمنعني عن كلّ من عداه؟ تبا للعمل كيف عاد لا يعرف أن ينتهي. الصبر ليس من شيمي في أي حال. أنا ألتهم ولا أفهم المتذوقين المتمهّلين. صيّادة، لا أتلذذ إلا بالإنقضاض والإلتهام. الفرائس، أصلا، لا تحبّ أن تؤكل على مهل.

ما سوف ألتهمه الليلة ليس لي. أخذته. لا احب أن أقول استعرته. هو ليس لي لكني لطالما مددت يدي الى مقتنيات الآخرين، بلا ندم ولا عقدة ذنب. عقدة الذنب ترف لا أقدر عليه.

قالوا: صعب وكثير التعقيدات. لم آبه، بل على العكس طلبته أكثر. أكّدوا أني لن أستطيع المضي معه الى النهاية، قلت: تبا للنهايات، أعشق منتصفات الطرق. حذّروني: سوف يربك عقلكِ بأفكاره المنحلة، فصرخت: هذا هو!

أرمقه مجددا بطرف عيني: متماسك لا تبدو عليه أي تعابير. أتراه ينتظرني باللهفة نفسها؟ هل يتحرّق مثلي الى ارتمائي عليه، الى ملامسة اصابعي لجسمه الأسمر؟ هل سيغوص فيّ بالعنف والشوق اللذين سوف أغوص بهما فيه؟

أتأمله وأفكّر، كم من الأيدي لامسته قبلي؟ كم من الأحضان أشعل؟ كم من العقول سرق قبل أن يسرقني؟ أحدّق فيه باحثة على جلده عن بصمات العيون التي سبقتني إليه. ثم تحضرني صور من ليلة أمس، ليلتنا الأولى معا: ليلة من الهلوسة الكاملة، ليلة شغف لا توصف، بدأ يبوح لي فيها ببعض اسراره وخباياه. لا أعرف بأي معجزة وجدتُ الى النوم سبيلا عند الفجر. فاجأتني برودة أعصابي: كيف استطعتُ التخلي عنه؟ أنهكني، ولم يتعب.

أُرهفُ سمعي، أصغي اليه يهمس: هيا! كفانا تلظيا ! أنهضُ عن طاولة المكتب، أتمطّى، أبتسم له، أغادر الغرفة لبضع دقائق، آخذ دوشا ساخنا، أرجع، أمشط شعري ببطء، أنزلق داخل السرير قربه، ببطء ايضا، آخذه بين ذراعيّ، أداعبه قليلا، قليلا فقط، أنتشي بخشونة ملمسه، ثم أفتحه بنهم وأبدأ القراءة.

 

رجــوع