الروائي والشاعر الاسباني مانويل فاسكيث مونتالبان في بيروت

بيبي كارفالو وأنا: من منّا القاتل ومن المقتول؟

ججريدة النهار- 21-6- 2003

 

           متواضعٌ على كِـبَر، مهيب على كاريزما، متهكّم على حكمة، يصعقكَ مانويل فاسكيث مونتالبان بشموليته وبساطته وعمقه المتعدد الوجه. فهذا الكاتب الغزير الذي اشتهر خصوصا من خلال شخصية بيبي كارفالو، قدّم نحو عشرين رواية بوليسية رافقت الوعي الشعبي والاجتماعي والسياسي الاسباني على مرّ ثلاثة عقود وتُرجمت الى أكثر من عشرين لغة حتى الآن. وهو يحب أن يترجم الى العربية أيضا، لكنه يجد ذلك صعبا نظرا الى "تضارب محتوى كتبه مع معظم الانظمة السياسية في المنطقة وثقافاتها الرسمية". مناضل ملتزم ضد الفرانكوية، كتب أيضا في السياسة والشعر والبحث والنقد والصحافة وغيرها، بموهبة ونبوغ جعلا من الصعب تأطيره في نوع دون آخر. وفي إطار النشاطات الثقافية المكثّـفة التي ينظّمها المركز الثقافي الاسباني، والتي تؤدي دورا فاعلا في تعريف اللبنانيين بالبانوراما الأدبي الإسباني المعاصر وتعزيز التواصل والاحتكاك بين الثقافتين، زار مونتالبان بيروت هذا الأسبوع حيث ألقى محاضرة حول "الذاكرة والرغبة"، وهما القطبان المحوريّان اللذان اختارهما عنوانا لأعماله الشعرية الكاملة الصادرة عن دار موندادوري في اسبانيا. وقد اصطحبنا الكاتب في جولة بين هاتين الذاكرة والرغبة، بين "معرفة الماضي وانتظار التغيير" على قوله، فحدّثنا عن تقمّصه الجنرال فرانكو وعن وهم الحياد، عن التهجين الثقافي وفضائل جورج دبليو بوش وحدود الأدب الملتزم، وعن الفوتبول والطبخ أيضا! والأهمّ أننا استطعنا استدراجه الى الإعتراف بـ"الجريمة" الخطيرة التي ينوي ارتكابها قريباً...

 

* ما رأيك في ان نبدأ دردشتنا من شخصية بيبي كارفالو؟ فعلى غرار ميغريه في روايات سيمونون البوليسية أو شرلوك هولمز لدى آرثر كونان دويل او حتى البحار ماغرول لدى ألفارو موتيس، يعرفك كثيرون من خلال شخصية التحرّي الخاص الذي نفختَ فيه الحياة عام 1972 في رواية "أنا قتلت كينيدي"، وتحوّل منذ ذلك الحين، على مرّ 22 رواية ومغامرة، ناقد زمنه وصوته ضميره. فما الذي حفّزك على خلق كارفالو، وهل يمكن أن نصفه بدون كيشوت عصري؟

 

         لـكارفالو من دون شك جينات دونكيشوتية، فهو مغامر رحالة مثله، رافق عصره وراقبه عن كثب، ولكنه ربما أقل رومنطيقية من دون كيشوت وأكثر براغماتية، إذ تكمن حكمته النقدية في أفعاله أكثر مما تكمن في خطابته. إنه مزيج من السخرية السوداء والواقعية الهادفة، من الحنين والعدمية. لقد عشنا في مرحلة ما اوقاتا من الآمال الكبرى والتفاؤل العظيم، ولكن اتضح لنا سريعا انها كاذبة، وكنت في حاجة الى "شاهد" على خيبات الأمل هذه. ذلك هو بالذات أحد الأسباب التي دفعتني الى خلق كارفالو. سبب آخر هو أنني انتميت الى جيل أدبي متشائم سادت فيه نظرية "موت الرواية" كنوع أدبي، وذلك بسبب توغّلها في التجريبية التي حولّتها غالبا محيطا هرمسيا، مقفلاً، ملغّزاً، ليس في متناول الناس ولا يشكّل أداة لتحليل الواقع. وكانت الواقعية النقدية الإجتماعية قد أدركت بدورها طريقا مسدودا بعد مرحلة الستينات، لأنها لم تعد قادرة على تخطّي منجزات ماضيها. من هنا شعرت بالحاجة الى بديل قد يعيد الى الرواية شيئا من "براءتها" الأولى، ففكّرت في صيغة أكثر التصاقا بالثقافة الشعبية، رواية يمكنني من خلالها وصف واقعنا حتى أدرك شيئا فشيئا "نهاية التابو"، فكانت النتيجة المغامرات البوليسية. وبدأت التجربة مع "أنا قتلت كينيدي"، من دون ان يكون لدي تصوّر محدد آنذاك عن انتاج سلسلة طويلة. وقد جمعت هذه الصيغة العناصر الأساسية لوصف المجتمع والناس، وشكّلت رحلة تأريخية لهذا العصر بكل مراحله منذ الثورة الجنسية وصولا الى العولمة، وكان ربّان هذه الرحلات طبعا بيبي كارفالو.

 

* لكنك تحدثت عام 1997 عن نيتك "قتل" بيبي كارفالو في نهاية الألفية الثانية، إلا أنك لم تفعل ذلك حتى الآن، بل "قرأناه" حياً يرزق في رواية "رجل حياتي" عام 2000!

 

         أتعلمين، أحيانا لا أعرف من منا سيقتل الآخر، لا بل أميل الى الإعتقاد بأن بيبي كارفالو هو الذي سيبادر الى قتلي في أحد الأيام لكي يفرّ من سجن خيالي حرا طليقا. علاقتي به هي علاقة شغف، تراوح بين الكراهية القصوى والحب الشديد. كثر يتهمونه بأنه قناع لي، لكني أكاد أقول إنه مستقل عني تماما لولا الكلمات، حبل السرة الذي ما زال يربطنا. أجل، أعترف بأني فكّرتُ جدّيا في قتله، ولم تزل الفكرة تراودني، فقد تحوّل رفيقا مزعجا يقضّ مضاجعي، لكني تعلّقت به على مرّ الوقت، ولا يمكن الكاتب ان يغتال إحدى شخصياته من دون يقين واقتناع تامين.

 

* هو أيضا اعترض على نيتك قتله في مونولوغ "قبل ان تفرّقنا الالفية" عام 1997...

 

         فعلا. ذلك نصّ مسرحي عرض في فيينا فقط حتى الآن، افسحتُ فيه المجال لكارفالو أن يعبّر عن كل ما يخالجه من مشاعر ضدّي. في وسعي ان اقول أن ثمة شكل من اشكال العبودية التي تخضعنا لها الشخصيات التي نخلقها، وذلك المونولوغ يجسّد المعضلة القديمة إياها حول تمرّد المخلوق على خالقه وتحرره منه. لم يعد كارفالو شخصية، بل أصبح شخصا. قال إني استغليته كأداة، إنه تعرّض للخيانة والخداع، إنه لم يفعل بعد كل ما يريد فعله في حياته، وانه كان سجيني طوال الوقت ومن المجحف أن اعمد الى قتله...  

 

* ألا تعتقد ان كل من يتسنّى له أن يواجه موته، قد يكون له رد الفعل الدفاعي الفطري نفسه؟

        

         ليس بالضرورة، فالبعض يرى في الموت نوعا من الخلاص، وطريقة للتحرّر من قيود هذا العالم. هناك شخصيات ترحّب بموتها، اما كارفالو فلا، وكلما قررتُ القضاء عليه شعرت برغبة جامحة وملحّة في إنقاذه من مصيره وانتشاله من نهاية شبه محتومة. إنها ربما نشوة الخالق الذي يريد ان يثبت أنه متحكّم بمصير مخلوقاته. ذلك هو ربما الوهم الذي يدفعني كل مرة الى استعادته.

 

* ولقد استعدتَـه مجددا، اذ عرفنا انك على وشك نشر حلقة جديدة من السلسلة، هي المغامرة الثالثة والعشرين له، تحت عنوان "الفية". أين سيصطحبنا كارفالو الآن؟

 

         سوف يقوم كارفالو هذه المرة بجولة حول العالم، وتحديدا في مناطق التوتّر والحروب: من أفغانستان وباكستان وتايلاندا الى بلاد الباسك وتركيا ومصر والشرق الأوسط وغيرها. تلك الجولة هي في الواقع قراءة لحال الفوضى وانعدام التوازن الرهيبة التي يعيشها العالم في الوقت الحاضر. وهنا يكمن دور روايات كارفالو الجوهري، اذ انها تجاوزت حدود الواقع الاسباني ورسمت، في مزيج من التحليل والتحريض، رحلة كوكبنا انطلاقا من عصر السذاجة في الستينات وصولا الى عصر اليأس المعولم هذا. لم يكتف كارفالو إذا بأن يكون عينا مسلّطة على اسبانيا، بل لطالما ضمّت مرآته النقدية مشكلات وظواهر عامة ومشتركة غير مرتبطة بشعب أو منطقة أو فئة محددة، والدليل على ذلك التهافت على ترجمته في بلدان عديدة، منها كوريا أخيرا.  

 

* صحيح أن "البولار" كانت بالنسبة اليك ذريعة وأداة للنقد والتغيير، ولكن ماذا عن اولئك الذين يعتبرونها رواية من الدرجة الثانية؟   

 

         كما ذكرت، لقد اخترت الرواية البوليسية لأنها أمنت لي أداة نقد ومراقبة مرنة ومتلوّنة. لكنني كتبت كذلك روايات كثيرة غير البولار، روايات تجريبية طليعية، ومنها غاية في الصعوبة والتعقيد، كما كتبت الشعر والنقد الأدبي والبحث وغيرها، ولكل نوعٍ دوره ونكهته وسحره. طبعا ثمة رد فعل انعكاسي طبيعي بين اسمي والرواية البوليسية بسبب شعبية بيبي كارفالو وشهرته العالمية، ولكن يجب ان اضيف انه من الخاطىء ازدراء هذا النوع من الكتابة. ربما يعتبرونها سهلة لأن عناصرها متوقّعة، فعلى العكس من الروايات الأخرى حيث ليس ثمة علاقة حتمية بين السبب والنتيجة، هنا لا بد من أن يعرف القارىء في آخر المطاف من هو المجرم وان تنكشف له خيوط الحبكة.

 

* ليس بالضرورة، فقد كتب البعض روايات بوليسية بلا نهاية محددة، على غرار رواية "ورطة شارع ميرولانا" لكارلو اميليو غادا مثلا...

 

         صحيح، وأغاتا كريستي حاولت بدورها اعتماد شكل من أشكال هذا اللبس ولكنها فشلت. إنني في الواقع ضد هذا النوع من الكتابة البوليسية، فالقارىء يريد ان يعرف من هو القاتل، وله في رأيي كل الحق في ذلك. لقد قام القارىء بالرحلة المطلوبة منه، وهو يحتاج الى ان يفهم ما الذي حصل ولماذا، والا فسوف يشعر بأنه مغبون ومخدوع ومحبط، وبأن الكاتب استغل ثقته. ليس ثمة ما هو أكثر بعثا على القلق من النهايات التي تنطوي على بدايات، اذ ليس كل قارىء مجهّزا لكي يتمكّن من متابعة القصة بمفرده بمعزل عن كاتبها الأساسي. وأكرّر، لقد كتبت انواعا كثيرة، من البولار الى الرواية الأدبية الى البحث الى الشعر الى المقالات الصحافية، لكني انا نفسي فيها جميعا: جل ما يختلف هو طريقة التعبير والمسافة التي يضعها الكاتب بينه وبين نصّه. فهذه المسافة تختلف كثيرا عندما أكتب قصّة وعندما أكتب للصحافة مثلا.

 

* بما أنك تتحدّث عن المسافة الواجب فرضها بين النص والكاتب، انتَ كما نعلم صحافي عريق، ولك اليوم مقال في صحيفة El Pais كل يوم اثنين، فضلا عن مساهماتك في صحف عالمية كثيرة على غرار الريبوبليكا الايطالية والموند ديبلوماتيك الفرنسية. ولكن لطالما رددتَ أنك لا تؤمن بمعيار التجرّد والحياد، فكيف توفق بين هذا النفي القاطع ومتطلبات قلمكَ الصحافي؟

 

         صحيح، انا لا اؤمن بنظرية حيادية الكاتب، وأرى ان الصحافة الحيادية "أسطورة". لا يمكن كاتب نص، اكان أدبيا ام اجتماعيا أم صحافيا، الا يكون "متورطا" حتى الثمالة في نصّه.  لكني شخصيا لا اواجه مشكلة على هذا المستوى لاني أصلا اكتب صحافة الرأي، اي أن القارىء يعرف تماما من اكون، ما هي قناعاتي وآرائي، وهو متآلف مع اسلوبي في تقويم الامور والأحداث وتفسيرها، لذلك لن تنعكس ذاتيتي سلبا على صدقية المادة أو التحليل اللذين اقدمهما له، كونهما يمثلانني أنا تحديدا، كما يمثلان المجموعة التي تفكّر مثلي وتتقاسم معي المعايير الاخلاقية نفسها.

 

* أي أنك تتوجّه حصرا الى فئة معيّنة... أليس ذلك نوع من استثناء الآخر؟

 

         دعينا لا نسمّيه استثناء بل رضوخا لواقع الأمور. في أي حال، صحيح أن قارئي هو ذلك المنتمي الى اليسار المتعدد، ولكن هذا لا يعني أني أنبذ القارىء الآخر، لا بل يهمني ايضا ان اجذب عناصر الجهة الأخرى لكي "أهديهم" اذا صح التعبير. إن الحقيقة في رأيي نسبية دائما. فالوسيلة المستخدمة لكي ندرك الغاية لا يمكن ان تكون حيادية. ولا اعتبر الحياد أصلا معيارا صحافيا جديرا بالتنويه، بل أراه شكلا من اشكال الخبث الأدبي. فما يهمّ الناس عندما يقرأون مقالا ما ليس مدى تجرّد كاتبه، بل يهمهم على العكس من ذلك أن يشعروا بأنهم مرافقون ومواكبون، بأن ثمة من يشبههم ويفكر مثلهم، بأنها ليسوا وحيدين.

 

* وماذا عن التناضح بين الصحافة والأدب؟ كثر هم الأدباء الذين يشتكون من أن عملهم الصحافي "يسرقهم" ويحرّضهم على ارتكاب خيانات في حق عطائهم الأدبي. ماذا عنك؟ هل أنت اديب يخونه وجهه الصحافي؟  

  

         لا بل انني اوفّق تماما بين الوجهين، أو على الأحرى بين الوجوه المتعددة لكتابتي. لا أعاني أي تنافر أو تضارب، فكما قلت، الشخص نفسه هو الذي يكتب كل ذلك بأصوات متعددة، ووحدها استراتيجيا الكتابة وووجهة النظر تختلفان. فضلا عن واقع أن دينامية اللغة تغيرت الى حد بعيد، ومثلها طريقة استخدام الألفاظ وتركيب الجمل، الى حد ان الصحافة باتت قريبة جدا من الأدب اليوم...

 

* ألا تعني العكس؟

 

         بلى طبعا، الأدب هو الذي كان في حاجة الى القيام بهذه التسوية لا العكس، لكني لا أعتبرها في أي حال تنازلا منه بل أراها مبادرة ايجابية ، فأنا من المدافعين عن تواصلية الأدب، وعن انشغاله بتجارب الحياة الملموسة. يجب أن يكون هذا نوعا من الكولاج الثقافي، من التهجين بين الثقافة الشعبية، اي ثقافة الجمهور العريض، والثقافة النخبوية والأكاديمية. يجب ألا يدير الأدب ظهره للحياة.      

 

*  بالحديث عن التهجين والكولاج الثقافي، وبعدما طبعت المشهد تيارات كثيرة كالطليعية والتجريبية والبوب آرت والجدد وغيرها من الظواهر، كيف ترى اليوم الى علاقة الأدب بالفنون السمعية والبصرية على غرار ظاهرة الأداء (performance) التي تغزو الشعر في اوروبا والأدوات التكنولوجية التي تستخدم في الفن المسمّى "نت آرت" مثلا؟

 

         لطالما احتوت الآداب والفنون توليفا من العوامل والمقوّمات المتناقضة، منذ أيام التجريبية وغيرها، وذلك امر طبيعي. وفي رأيي أن الهدف من هذا التركيب هو الاستفزاز وخلق عنصر المفاجأة، بعدما فقدت الكلمة والصورة الى حدّ ما القدرة على إدهاشنا. حاجة الأنسان العضوية الى الثورة المستمرة على الثورة تزجّنا في حلقة مفرغة احيانا. في أي حال، إنها ايضا دلالة على أن الحياة الأدبية والفنية في صحة جيدة، مهما بدا ذلك غريبا. فهي ظواهر تقدّم نظرة أخرى الى الأمور، وبعداً آخر قد يكون كذلك تعبيراً عن عجز أو مأزق ما، خصوصا في ما يتعلق بالشعر.

 

* ولكنّ البعض يبرر ذلك بقوله إن الشعر يصل بهذه الطريقة الى شرائح اكبر من الناس، وأنت نفسك دعوت الى ذلك في مقدّمة ديوانك "أبيات في موت خالتي دانييلا". حتى ان بعض قصائدك لُحِّـنت وتحولت اغنيات على غرار قصيدة "لا ينفع" التي غنّاها لوكييو...

 

         في ما يتعلّق بالأغنية أجل، فأنا مقتنع بـأن الأغنية، وأعني طبعا الأغنية ذات المستوى، تستطيع أن تتيح للشعر أداء دور اجتماعي، دور تواصلي، من الصعب عليه أن يؤديه في شكله "الصامت". فعلى سبيل المثال، معظم البرامج التلفزيونية المتعلقة بالشعر تُبثّ عند الرابعة فجرا! تستطيع الأغنية في رأيي ان تكون اداة انتقام للشعر. ومثلها القراءات الشعرية العلنية، فعندما يُتلى الشعر أمام الناس، يحقق نجاحا جماهيريا كبيرا، اذ ينجح البعد الإيقاعي في جذب الآذان الى الكلمة. إن الشعر "الأبكم" كما اسمّيه، اي ذاك الذي يكتب حصرا لكي يقرأ، يخسر بعدا أساسيا من ابعاد سحره. فالشعر في الدرجة الأولى هو ترسّبات التجربة، ويجب منح هذه التجربة كل الفرص الممكنة لكي تتبلور.

 

* لقد نشرتَ مجموعتك الشعرية الأولى عام 1967، تحت عنوان تربية عاطفية، واخيرا جمعت كل دوواوينك في مجلد تحت عنوان "الذاكرة والرغبة"، كما صدرت لك علم 2001 انطولوجيا بقصائد في العشق والايروتيكية "آرس ارماندي". إلا ان شعرك عرف خصوصا  بأنه ملتزم مسيّس واجتماعي نضالي. ما الذي يستطيع الشعر ان يقدّمه لـ"القضية"؟

 

         لا يستطيع الشعر أن يغير شيئا بالطبع، وقد صرنا بعيدين جدا عن زمن "الغورو" الشعري. لكن الشعر يسجل على الأقل موقفا وهذا في رأيي مهم للغاية. وبعض الكتب "تساهم" في عملية التغيير من خلال تأثيرها على الناس والمجتمع والحكم. أكرر، يجب ألا يتنكّر الأدب والشعر للواقع، بل أن يقوما بخيار محدد، وهو خيار فكري وسياسي بقدر ما هو اجتماعي وانساني. نعم، لقد تداخلت السياسة في شعري، شأنها شأن تجارب الحياة الأخرى كالحب والجنس والمسائل الوجودية. وأرى أن الشعر السياسي يؤمّن مصاحبة ايديولوجية للناس، شرط ألا يصبح محض خطاب واعظ، وتلك هي المجازفة، اي في التوصّل الى معايرة صحيحة بين الإلتزام والحرية التي هي رئة الشعر.   

 

* بالحديث عن الإلتزام السياسي، قرأنا لك أخيرا مقالا رائعا في صحيفة الباييس تنتقد فيه خوسيه ماريا اثنار بسخرية لاذعة، قائلا مثلا انه "ما أن يعلنوا ظهوره على الشاشة حتى يغير الناس المحطة الى حد ان اسمه اصبح خوسيه ماريا أثـ...". الى أي مدى تعتبر السخرية سلاحا ماضيا في النقد السياسي؟

          السخرية هي أولا اداة فهم، انها المسافة الفاصلة بين ما نؤكده وما نؤمن به. وقد انتقدتُ أثنار لأن تقدير جورج بوش له يعني حتما أنه يشكو عيوبا كثيرة. بل إنه ذهب الى حد القول ان دعمه الحرب الأميركية على العراق سوف يحقق فوائد كثيرة للشعب الأسباني! أما الدافع الوحيد الى هذه الحرب فهو في رأيي جشع السلطة، السلطة المرتبطة  بالوجود العسكري في المنطقة والتحكم بالموارد النفطية فيها. وهذا ما سعت الى تحقيقه الولايات المتحدة. أما البحث عن اسلحة الدمار الشامل وغيرها من الدوافع المزعومة، فليست ليس سوى ذرائع مختلقة لتبرير التدخل. في اختصار، اننا نواجه شكلا جديد وخبيث من اشكال الديكتاتورية.

 

* نعرف انك كنت من ابرز المناضلين ضد ديكتاتورية الجنرال فرانكو وقد كان هذا الموضوع حاضرا بقوة في أعمالك، بما فيها "قاموس الفرانكوية" و"سيرة الجنرال فرانكو الذاتية"، على غرار ما فعله ماركيث مع بوليفار أو يوسا مع تروخيللو. لكن ما يصدم القارىء هو أنك كتبت السيرة بصيغة المتكلم، اي انك تقمّصت فرانكو. حدّثنا عن تلك التجربة، وهل كنتَ فيها مؤرخا ام روائيا؟  

 

         لقد كنتُ فرانكو مزيّفا، اي كان الكتاب كله صراعا لتوكيد الجنرال ونفي الكاتب. انه بمثابة حرب بين الفرانكوية وضدها، اتحتُ فيها للديكتاتور ان يتكلم ويقدّم وجهة نظره، ولكن فقط لكي أنقض عليه بشراسة اكبر في ما بعد. يمكن القول إنها رواية مخلّصة، رواية عن حياتي ونضالي من خلال سيرته، وطبعا كان من المؤلم ان أعيش "تحت جلده" ولكنه كان اسلوبا علاجيا ايضا ساعدني في طرد بعض شياطيني. كما ذكرت، لا أؤمن بنظرية حياد الكاتب، فكيف بالاحرى اذا كان متورطا مثلي في شكل مباشر؟ لذلك لا استطيع ان اقول اني كنت مؤرخا، بل حاولت على الأحرى ان اشهد على تلك المرحلة من خلال تجربتي الشخصية طبعا، وأن أستعيد من خلال هذا  الكتاب بعضا من ذاكرتنا الجماعية التي حاول الديكتاتور طمسها.

 

* ذلك هو بالذات موضوع المحاضرة التي ألقيتها في بيروت، فهل بالعودة الى الذاكرة وبإحياء الرغبة تكتمل دائرة الحياة؟  

          بالضبط، فالذاكرة مساحة مسكونة بالخيال، ومن خلال رصد اغوارها فقط يمكن التمهيد لأي تغيير، أي لأي رغبة حقيقية. في ما يتعلق بإسبانيا مثلا، تعرضت ذاكرتنا الجماعية، على غرار الدول الأخرى التي رزحت تحت الأنظمة الديكتاتورية والتوتاليتارية، للطمس والقمع والتشويه والتخدير على حساب ذاكرة أخرى، محرّفة، رسمية، هي ذاكرة الطاغية. ومن الضروري ان نعمل نحن الكتّاب على استعادة تلك الذاكرة بغية تصحيح الإدراك والذاكرة وتعويض جهل الناس لبعض عناصر ذاكرتهم واسترداد ما سرق من تاريخنا ووعينا المشترك. استرداد الذاكرة هذا واجب أدبي بقدر ما هو سياسي، خصوصا أن اليمين ينحو نحو تجاوز الماضي والذاكرة واعتبار أي رجوع اليهما بلا جدوى.

   

* يحكى الكثير عن ترشيحك لجائزة نوبل، فما الذي تعنيه لك الجوائز الأدبية؟  

          لقد ربحت في حياتي جوائز كثيرة، وجائزة نوبل هي شكل من اشكال "الاسطورة"، اذ تضع حدا فاصلا بين الكتّاب الذين حازوها واولئك الذين لم يحصلوا عليها. انها طبعا تمنح نوعا من العزاء والرضى العقلاني، ولكن ثمة كبارا كثيرين في العالم مؤهلين للحصول عليها غيري.

  

* لقد نشرت ايضا مؤلفات كثيرة عن الأكل ووصفات بأطباق اسبانية. ما سرّ هذا الاهتمام وكيف وجدت اكلنا اللبناني؟

            انني في الحقيقة مولع بالطبخ، وإنني أطبخ كل يوم في منزلي. انها عملية شبه سحرية، ولكنها خبيثة ايضا لأنها قائمة على القتل، قتل كائنات حية لكي نتمكن من البقاء على قيد الحياة. ان الاكل قناع للعنف الجذري المتأصل في الانسان. المطبخ اللبناني لذيذ جدا. في اي حال، اعتقد ان أي لذة، أكانت الأكل أم الشرب ام الحب، تتطلب في الدرجة الاولى قدرة كبيرة على خداع الذات، ألا تعتقدين؟

  

من أعمال مانويل فاسكيث مونتالبان:

في الرواية، أنا قتلتُ كينيدي (1972)، نهاية سعيدة (1974)، بحار الجنوب (1979)، طيور بانكوك (1983)، وردة الإسكندرية (1984)، عازف البيانو (1985)، المتاهة اليونانية (1991)، السيرة الذاتية للجنرال فرانكو (1992)،  الخانق (1994)، الجائزة (1996)، خماسية بوينس آيريس (1997)، إمّا سيزار أو لا أحد (1998)، رجل حياتي (2000)، أريك واينيديه (2002).

 

في الشعر، تربية عاطفية (1967)، حركات غير ناجحة(1969)، أبيات في موت خالتي دانييلا (1973)، براغ (1982)، الذاكرة والرغبة 1963-1990 (1996)، مدينة (1997)، آرس أماندي (2001).

 

في البحث، معلةمات حول الإعلام (1963)، خوان مانويل سيرات (1972)، مئة عام من الرياضة (1972)، السياسة والرياضة (1972)، الاختراق الأميركي لإسبانيا (1974)، ما الإمبريالية؟ (1976)، شياطين فرانكو (1978)، الأكل الإسباني (1980)، وصفات لاأخلاقية (1981)، ضد الذواقة (1985)، غوغان (1991)، الأدب في بناء المدينة الديموقراطية (1998)، ودخل الله هافانا (1998)، أغنيات المرحلة الفرانكوية (2000).

 

تحـذير: لا يسمح لأي كان أخذ هذه المواد دون ذكر كاتـبتها جمانة حداد

 ومصدر النشر،

وإلا سيُعتبر انتهاكا لقوانين حقوق النشر المرعية.

رجــوع