حوار مع الشاعر والروائي الإيطالي ناني بالستريني في روما

بازوليني ظاهرة من ظواهر الموضة وشعره ونثره دون الوسط

 جريدة النهار- 9-8-2003

 

         يُـعدّ ناني بالستريني من ابرز وجوه الحياة الثقافية الايطالية المعاصرة. شاعر وروائي وناشر وفنان تشكيلي وناشط سياسي، ولد عام 1935 في ميلانو وبدأ نجمه يبرز في الخمسينات من خلال مساهماته في مجلة il Verri  الأدبية. انضم في اوائل الستينات الى فريق عمل دار بومبياني، ومنها انتقل الى فلترينيللي، منطلقا في الوقت نفسه، بالاشتراك مع شعراء بارزين آخرين من امثال ألفريدو جولياني وادواردو سانغوينيتي وايليو بالياراني، في سلسلة من التجارب اللغوية والأسلوبية الثورية المتمحورة في شكل خاص حول الشعر الصوتي والمرئي استـنادا الى الابتكارات التكنولوجية التي طبعت النصف الثاني من القرن العشرين، وهي تجارب نجم عنها عام 1963 تأسيس مجموعة 63 التي رسخّت الطليعية الجديدة في ايطاليا. كان من ابرز محرّري مجلة Quindici التي حملت روح المجموعة، وأصدر عام 1971 روايته الشهيرة "نريد كل شيء" التي أصبحت مانيفست اليسار المتطرّف الايطالي. أسّس عام 1975 دار النشر Ar&a، لكنها أُغلِـقت بعد ثلاثة اعوام بقرار قضائي في إطار حملة تضييق عنيفة على نشاطات اليسار آنذاك. وأصدر عام 1979 مجلة Alfabeta التي ضمّت ضمن هيئة تحريرها ماريا كورتي وانطونيو بورتا وباولو فولبوني واومبرتو ايكو. ثم انتقل في الثمانينات الى باريس وعمل مستشارا لدى دار غاليمار قبل أن يؤسس دار النشر Maniche، ويصبح ايضا مستشارا لدى فلاماريون. أقام معارض فنية في معظم انحاء العالم، من روما وميلانو والبندقية الى باريس وبرلين ونيويورك ومدريد ولوس أنجلس وطوكيو وغيرها من المدن، ونقل الشعر الى ميادين الموسيقى والسينما والرقص والنحت، وأيضا الى الانترنت والتلفزيون، من خلال عروض مختلفة وبرامج خاصة لمحطتيArte  و Rai، كما ساهم منذ عام 1998 في تنظيم مهرجان Romapoesia الشعري.

         التقيتُ بالستريني في عرينه في روما، في مناسبة صدور انطولوجيا شعرية حديثة له تضم مختارات من معظم مجموعاته تحت عنوان "كل شيء دفعة واحدة"، ودار بيننا هذا الحديث عن التطورّات والظواهر الجديدة في عالم الشعر والنثر في أرض دانتي وليوباردي.

 

* أنت شاعر وروائي ورسام وناقد وناشر في آن واحد. هل في ممارستك كلّ هذه النشاطات بعضها الى جانب بعض، تريد أن تعبّر عن أفكار لا يستطيع النشاط الواحد أن يجسّدها؟

 

في الواقع ليس هذا التنوّع سعيا متعمّدا، وأنا أعتـقد انه من الطبيعي أن يعبّر الفنان عن نفسه بطرق وأساليب متعددة، خصوصا اذا كانت هذه مترابطة في ما بينها. لا يوجد في رأيي شكل فني أو نشاط ثقافي منغلق على ذاته، بل انّه يتغذّى دائما، ان في شكل واع أو لاواع، من أشكال ونشاطات أخرى مشحونة بأفكار ووجهات نظر وطاقات جديدة. إنّه الجزء الذي يحتضن الكلّ، والكلّ الحاضر في جميع أجزائه.

 

* ولكن لا بد أنّك "تـنحاز" الى نشاط معيّن أكثر من غيره! في معنى آخر، وفي سؤال أكثر تحديدا: أي هذه الصفات المذكورة آنفا هي الأقرب الى حقيقتك الإنسانية والإبداعية؟

 

طبعا لا مفرّ من الانحياز، وفي ما يتعلّق بي أرى أنني أنطلق من الشعر في كلّ ما اقوم به، وهو لا ينحصر بالنسبة اليّ في الأبيات المكتوبة على الورق. بل إنه ميدان رحب وشاسع للغاية، يشمل المرئيّ والمسموع والأداء المسرحي، وقد يتخذ حتى شكل أعمال روائية أو سينمائية. أنا شاعر في كل ما أقوم به، فالشعر هو الجسد اللامحدود للإبداع، وهذا المفهوم يشكّل جوهر تجربة جيلي الشعري الذي عُرف بالطليعية الجديدة، والذي أحسّ في اواخر الخمسينات بالحاجة الى اعادة الاعتبار الى أدب هذه البلاد ونفخ الحياة فيه بعد التدهور الذي اصابه خلال أعوام الفاشية والحرب. وفي شكل متزامن، كانت ايطاليا في اوائل الستينات تتحوّل سريعا من بلد زراعي الى بلد صناعي عصري، فتغيّرت اساليب الحياة ولم تعد الكتابة "التقليدية" قادرة على تمثيل هذا الواقع الجديد. وتلك هي الثغرة التي سعى شعراء جيلي - أو ما عرف أيضا بمجموعة 63 - الى سدّها، مستخدمين في سبيل ذلك أدوات جديدة ليست غريبة عن الشعر بل هي من صلبه. كل من يكتب نصا شعريا يعرف ان ثمة مراحل مختلفة لعملية خلقه: هناك مرحلة الخيال الشعري طبعا، ولكنّ الخيال المرئي والمسموع حاضران أيضا وبقوّة. القصيدة في شكل ما ثلاثية البعد، ليست احادية بل متعددة الاتجاه والفرع. والكلمة ليست فكرة فحسب، بل انها صورة وصوت ايضا، وهذه الابعاد منصهرة الى أقصى الحدود في مفهومي للكتابة.

 

* لكن في ما يتعلّق بهذا الاندماج بين الكلمة والصورة والصوت الذي تتحدث عنه، نعرف أنّه بعد نشوء التيار المستقبلي الذي كان مارينيتي رائده ومحرّكه في أوائل القرن العشرين، قام  كتّاب كثيرون، في الستينات وحتى قبلها، باستكشاف التقاطع بين هذه الأبعاد بطرق مختلفة: الا اننا شهدنا في غالبية تلك التجارب "تفريغا" للكلمات من معانيها، بدلا من التزويج الناجح للفكرة والمشهد والإلقاء.

 

إنّ التيار المستقبلي، الذي استهلّ القرن العشرين في ايطاليا، افتتح فعلا موسم المغامرات الطليعية الاوروبية الكبرى، على غرار الدادائية والتعبيرية والسوريالية، وبسببه أيضا شهدنا نحو منتصف القرن إنجازات عظيمة في عوالم الرسم والموسيقى والأدب، اذ كان العالم يتغيّر بإيقاع سريع، وقد سعى الفنانون الى نقل هذه التحوّلات الجذرية. وقد كانت الستينات، رغم بعض التجارب "الفاشلة" التي أشرتِ اليها، مرحلة ذات غنى استثنائي يمكن مقارنتها بعصر النهضة لأربعة قرون خلت، وما زالت الفنون حتى يومنا هذا تتحرّك في فلك ابتكارات تلك المرحلة وابداعاتها، رغم أن البعض شوّهوا البعد الأدائي للكلمة وأطلقوا صفة الشعر في شكل اعتباطي على ما ليس له اي علاقة بالشعر لا من قريب ولا بعيد. لكنّ هذا الاستخفاف و"الاستسهال" والتشويه ظواهر طبيعية لطالما رافقت كل جديد، وهي لا تنفي التجربة الأصيلة بل على العكس من ذلك تبرزها وترسّخها. ولهذا السبب أعتقد أن اهمّ حقبتين في الشعر الايطالي في القرن العشرين كانتا العقد الأول، والستينات. ففي المرحلة الاولى شهدنا انبجاس التيار المستقبلي كما قلت وظهور أبرز شعرائنا المعاصرين، على غرار اونغاريتي وبالاتزيسكي وكامبانا. أما في المرحلة الثانية فقد نعمنا بشعراء الطليعية الجديدة الكبار، من امثال سانغوينيتي وبالياراني وبورتا وروسيللي وكوستا، وتجاربهم التحديثية التي طالت الكلمة والتعبير والرؤية الشعرية...

 

* بما انك أتيت على ذكر الكبار، ماذا يبقى اليوم من جاكومو ليوباردي، ومن أسماء  معروفة على غرار اونغاريتي وبازوليني؟ وأي صورة في إمكانك ان ترسمها لنا عن الخريطة الشعرية الايطالية الراهنة؟

 

على غرار دانتي، ليس ليوباردي أكبر شاعر ايطالي في زمنه فحسب، بل انه لا يزال معاصرا لنا. وقد كان فكره جوهريا لشعر الطليعية الجديدة، وهو الذي قال: "إن هدف الشعر المعاصر الحقيقي هو زيادة حيوية الكلمة، ويتمّ ذلك من خلال اللغة التي يتكلّمها الواقع فينا". أما اونغاريتي، فهو من دون شك أهم شاعر ايطالي في القرن العشرين، وذلك واقع بات اليوم غير قابل للمناقشة. ولكن في ما يتعلّق ببازوليني، فقد كان في الحقيقة محض ظاهرة من ظواهر الموضة، اذ حوّل نفسه شخصية رائجة فرضت وجودها بواسطة النشاط الثقافي الدائم والحضور المكثّف، خصوصا من خلال السينما. أما اذا اعدنا النظر مليّا اليوم في شعره ونثره وحتى في أعماله السينمائية، فسوف تبدو دون الوسط وبعضها رديء بصراحة. لقد أدّت الهالة المحيطة بالاسم والشخص الى تتويج أعماله بشهرة غير مستحقّة.

 

* أنت إذا من دعاة تحطيم الأيقونات...

 

لا أنشد التحطيم بهدف التحطيم، بل إنّي على الأصح من دعاة طرح الأسئلة باستمرار. فكل شيء في مجال الخلق الفني والأدبي يجب ان يكون قابلا لإعادة النظر في رأيي. المهمّ ألا نتعامل مع أسلافنا كأنهم من المكرّسات، فذلك مضاد في ذاته لجوهر الشعر التائق الى الثورة والتجدّد والحرية المطلقة. وهذا التباس خطير غالبا ما نقع ضحيّته اليوم مع أدوات الترويج الاعلامي والجماهيري التي تسعى الى "قولبة" الرأي العام، فضلا عن الرهبة التي تثيرها فينا بعض المسلّمات الموروثة. أما ردّا على سؤالك حول البانوراما الشعرية الراهنة، فثمة اليوم في ايطاليا حضور متزايد للشعر الذي تُطلق عليه صفة "المرئي"، حيث تصبح فيه الكتابة عنصرا بصريا ومشهديا يراوح من الكولاج البسيط الى التجهيزات الضخمة. وهناك أيضا عودة الى الشعر كنشيد، كصوت، وهذا الشعر كان موجودا قبل وقت طويل من الشعر المطبوع في الكتب الذي لا يشغل زمنيا سوى قرون معدودة من تاريخ الشعر، المرتكز منذ الأصل على الصوت والالقاء والإنشاد. وقد كانت العودة الى هذا الشعر أحد ابتكارات طليعيات اوائل القرن، وهو يُـمارس اليوم بنجاح متزايد في جميع انحاء العالم. والشعراء الشباب الأكثر إثارة للاهتمام في ايطاليا الآن، على غرار روزاريا لوروسّو وليللو فوتشيه وألدو نوفي وتومازو اوتونييري، يسيرون تحديدا في هذا الاتجاه. أما بقية المشهد الشعري، فيبدو بالمقارنة ذا أهمية محدودة ومتواضعة، وليس قائما بمعظمه سوى على اجترار المنجزات الحداثية الماضية، اذا ما استثينا بعض الشعراء الشباب "التقليديين" الموهوبين مثل تشيزاري فيفياني وباتريتسيا فالدوغا وفاليريو ماغريللي. أخيرا أحبّ ان اشير الى استمرار تطوير بعض الشعراء تجارب الأدوات التكنولوجية، على غرار ما يسمّى بالشعر الالكتروني، فضلا عن موضوع الأداء performance الذي بات يحتل حيّزا مهما من النشاطات الشعرية في العالم أجمع.

 

* وهل تعتقد أن الشعر في حاجة الى كل هذه "الأكسسوارات"، التي بات يكتسب بعضها في الغرب طابعا استعراضيا صرفا؟ يحضرني الآن ذلك الشاعر الاسباني الذي حضرنا امسيته "الشعرية" معاً منذ يومين، وكان "أداؤه" عبارة عن شاشة تلفزيون مشوّشة معلّقة فوق رأسه بينما كان هو يتلفّظ بكلمات غير مفهومة تارة وبمقاطع لفظية بلا أي معنى طورا. أهذا هو الشعر؟

 

فعلا، كان ذلك العرض مريعا، لكنّي أكرّر أن هذا الوجه المشوّه لطالما كان موجودا في كل النزعات والأساليب والتيارات، التقليدية منها والثورية على حد سواء. اما أنا فكنتُ أعني بكلامي تحديدا الشعر المصوَّر والمؤدّى بنجاح، الذي تمكّنت أبياته وكلماته من اتخاذ جسد وصوت جميلين ومبتكرين وراقيين يخدمانها ويغنيانها، حتى بات لها شكل الأشياء الملموسة القريبة من الجمهور، التي تـنقذ الشعر من انعزاله ومن الوجه السلبي لنخبويّته: لقد شهد هذا النوع من الشعر تطورا هائلا انطلاقا من الطليعية التاريخية ومن التيار المستقبلي، فأصبح الشعر "المرئي" في الستينات الايطالية نوعا "شموليا" خلق لغة خاصة به. وما هذه سوى إحدى الدروب التي عبرتها الكلمات لكي تخرج من الورقة، من النص المكتوب، من الكتاب. فكما ذكرتُ سابقا، كان الشعر قبل غوتنبرغ فعلا صوتيا، شفهيا، مجهورا، ولم يكن يتم اللجوء الى الكتابة سوى للحفاظ على النصوص وتخليد ذكراها. وثمة فرق شاسع بين أن نقرأ الشعر وأن نسمعه: قد يكون فعل القراءة أكثر سبرا للأغوار كما يقال، لكنّ الاصغاء في المقابل هو بمثابة اختراق عنيف، يهزّ المتلقي المهيّـأ ويترك في روحه أثرا لا يمحى مهما كان فعلا آنيا ومحصورا بفترة زمنية محدودة. ونحن أحيانا في حاجة الى أن يهزّنا الشعر، الى أن يصيبنا بالقشعريرة، بل حتى الى أن يصفعنا. في هذا المعنى، صفعة واحدة قد تكون أكثر نفعا وتوهّجا من ساعات تأمّل وتحليل طويلة. لنطبع قصائدنا إذا، ولكن لننشدها ونتلوها ونصدح بها أيضا وخصوصا. الصورة كذلك تمنح الشعر بعدا مرئيا مؤثرا للغاية، وهذا الواقع لطالما كان موجودا في الشعر الصيني حيث طريقة الكتابة هي مزيج من المعنى والصورة في آن واحد. ثمة تداخل بين الاثنين، وهذا عنصر لا تتمتع به الأبجدية لأن الكتابة بواسطتها تراكم من الكلمات ومن الأحرف داخل الكلمات. وأعتقد ان هذا التداخل خلق حساسية خاصة لدى تلك الشعوب، وجنسا فنيا جديدا ليس رسما وشعرا، بل ما يسمّونه هم بـ"الوسيلة الوسيطة"، التي هي مزيج من العنصرين وشيء جديد على حد سواء، على غرار موقع الأداء في الشعر الصوتيّ.

 

* لكنّي لاحظتُ، في مقابل هذه الظواهر الجديدة، ان هناك ايضا في الوقت الحاضر وفي عدد كبير من البلدان الاوروبية، عودة الى الغنائية بعد التبرؤ منها خلال العقود الأخيرة. فأي موقع يحتله هذا الشعر وسط التجارب التي ذكرتها؟ 

 

في رأيي ان الشعراء بالغوا في استغلال الغنائية حتى أصبح لدينا فائض منها، مما رسّخ الانطباع بأن هذه الكتابة هي الوحيدة الممكنة، وبأن الشعر يجب أن يكون تـنفيسا عن ذاتيتـنا ومشاعرنا الخاصة والحميمة. وهذه الغنائية الذاتية غالبا ما تولد شعرا رديئا...

 

* لكنّ اونغاريتي مثلا، الذي وصفته للتو بأنه أهمّ شاعر ايطالي في القرن العشرين بلا منازع، كان من ابرز شعراء الغنائية!

 

أجل، ولكن لدى اونغاريتي وغيره من كبار غنائيي الماضي، كانت الأنا مرآة للعالم، تخاطب الآخر وتحاوره، لا مرآة لشكاوى روح تعيسة ومعذّبة كما هي حالها غالبا الآن. في أي حال، لقد ألغى الشعر الحديث هذا التمييز في الأنواع، وما كان يعرف قبلا بالشعر الغنائي او الملحمي او الروحاني الخ... انصهر وامتزج وتلاقح في نصوص لم تعد تـنتمي الى تصنيفات محددة. وقد ساهمت الكتابة الالكترونية أيضا في بعض وجوه هذا التزاوج.

 

* هل تخبرنا عن تجاربك في هذا الميدان بالذات، ميدان الكتابة الالكترونية؟

 

عام 1961، انجزتُ تجربتي الأولى على صعيد تأليف نص بواسطة الكومبيوتر، وقد سمّيتها آنذاك "قصيدة إلكترونية". في ذلك الزمن كانت أجهزة الكومبيوتر مختلفة للغاية عمّا هي عليه اليوم، وكان هدفي الافادة من امكاناتها التركيبية بغية انتاج عدد كبير من البدائل المختلفة لنصّ شعري واحد: فالعامل التركيبي للكلمات والجمل شديد الانتماء الى جوهر الكتابة الشعرية. وقد قمتُ لاحقا بتجارب اخرى في هذا المجال لتوسيع تجربتي، التي تطوّرت مع تطوّر الآلة وتزايد إمكاناتها. وأعتقد ان بات اليوم في وسعنا الحصول على نتائج مثيرة للاهتمام على هذا المستوى مع الأجهزة الحديثة. لم تعد المشكلة الآن متمحورة في كيفية الافادة من هذه الادوات المتطورة، بل في استدراك برامج ومشاريع وتطبيقات تضعها في خدمة الحياة الأدبية والفنية بدلا من ان تكون على صراع معها.    

 

* وأي تحوّلات احدث تطبيقك هذا النوع من الكتابة على الشعر؟ هل أنت ممن يقولون إن وجوها محض آلية لهذا التطبيق هي قادرة على الاقتراب من المنجزات الابداعية، اي انها خلاقة أدبيا وسليمة جماليا؟

 

 بالطبع لا. فالكومبيوتر يمكن ان يكون اداة مفيدة بسبب امكاناته التركيبية كما ذكرت، لكنه يظل أداة، ولا يخلق شعرا جديدا. وقد اخترت الشعر مادة لتجاربي في هذا الاطار لأنه ذو هيكلية حرّة ومرنة للغاية، اي ان الروابط بين الابيات تمنح امكانات واحتمالات تركيبية شبه لامتناهية. أما روابط النص الروائي مثلا، فصارمة ومقيّدة بزمان ومكان وافعال وشخصيات، اي انها لا تمنح هامش حرية كبير على مستوى امكانات اعادة التركيب. ذلك هو السبب الرئيسي لاختياري الشعر لتجاربي في ميدان الكومبيوتر. من ناحية اخرى، يمكن الجهاز أحيانا أن يعيد انتاج آلية كتابة معيّنة او اسلوب ومعجم لغوي ما، أي يمكن التوصل بواسطته الى نصوص مزيفة تشبه تلك التي كتبها جويس أو بوروز أو آخرين، الى حدّ أنها قد تبدو للوهلة الاولى مكتوبة بأقلامهم. وذلك يشبه في رأيي ما يحصل اليوم في مجال الموسيقى الالكترونية من حيث التلاعب بالصوت والانغام. لكني مؤمن بأن الفنانين والشعراء الحقيقيين غير معنيين بالتقليد بل يريدون ان يخلقوا اعمالهم الخاصة بناء على أفكارهم الخاصة. ولذلك لا يمكن ان تحل الآلة مكان الانسان إبداعيا، اقله حتى يومنا هذا.

 

* وماذا عن النقد؟ هل يمكن استخدام هذه الاجهزة في مجال النقد والتحليل الأدبيين مثلما يفعل البعض؟

 

أعتقد ان هذا ممكن، أقلّه في ما يتعلق بناحية معيّنة من النصوص: لا الناحية الخلاقة الجوهرية، بل تلك الشكلانية المرتبطة بالاسلوب والصرف والتركيب والدلالات المختلفة، وهي ناحية مهمّة أيضا. كثيرون هم النقاد والعلماء والمتخصصون في الألسنية الذين يلجأون اليوم الى تحليل النصوص بواسطة الكومبيوتر، والآلة تساعدهم في التوصل الى عدد كبير من الاكتشافات المهمة في وقت سريع نسبيا.

 

* وهل تعتقد أن الشاشة، كبديل من الورقة البيضاء، تؤثر على طريقة الكتابة؟ اومبرتو ايكو يؤكد على سبيل المثال أن المرء ينزع مع الكومبيوتر الى الكتابة على نحو أكثر معيارية، فما رأيك أنت؟

 

إنني أستخدم الكومبيوتر في كتابتي على نحو شبه حصري، لكني لا أظن ان الكتابة تغيّرت كثيرا مع الكومبيوتر مقارنة مع الكتابة بالقلم أو بالآلة الكاتبة. البعض يزعم مثلا أن أسلوب همنغواي ناتج من الآلة الكاتبة. هذا ممكن. يقولون إيضا إن المرء يكتسب اسلوبا مختلفا عندما يكتب نصا على الكومبيوتر. ربما. لكن هذا لا يبدو لي عاملا مهما للغاية، بل في رأيي أن هذه الوسائل كلّها هي في خدمة الكاتب أو الفنان الذي يريد التعبير عن نفسه، وهو يستخدمها كأداة لا العكس. لا شك في ان الكومبيوتر هو آلة كتابة مفيدة للغاية وتؤدي الى ادخار وقت هائل. لسنا مضطرين الى اعادة تصحيح الاوراق ونقل المقاطع، كما يمكن التشذيب وتغيير مواقع الجمل بسهولة مطلقة: ويمنحنا الكومبيوتر خصوصا القدرة على أن نأخذ في الاعتبار سلسلة من البدائل والخيارات لنصّنا. لكنّي أكرر شكوكي في أن تؤدي طريقة الكتابة والتكنولوجيات الجديدة هذه الى فرض أساليب وعوالم تعبير جديدة.

 

* وماذا عن الكتاب الالكتروني في خضم هذه الثورات؟ لقد شهدنا سقوطه العمودي...

 

لم أكن اتوقّع له غير ذلك. ففي الواقع، لطالما راودتني شكوك حول امكانات قراءة نص الكتروني، لأن القراءة عبر الشاشة هي في رأيي أكثر صعوبة وتعقيدا وتطلبا للجهد من قراءة صفحات كتاب. ما زال الكتاب الطريقة الفضلى والأكثر بساطة للحفاظ على النص المكتوب. ويجب ألا نستخف أيضا بعادة أساسية مترسخة فينا كقراء، الا وهي اننا نادرا ما نقرأ كتابا ما على نحو خطيّ، بل كثيرا ما نقفز بين الصفحات ونتقدّم ثم نعود الى الوراء. اي أن الكتاب الالكتروني لا يقدّم لنا اضافة حقيقية على هذا الصعيد، فضلا عن عنصر العلاقة الحسية والملموسة مع الكتاب التي يجب ألا نغفل اهميتها.

 

* أنت أيضا روائي. الى اين تتجه في رأيك الرواية الايطالية الراهنة، قياسا الى لويجي بيرانديللو والسا مورانتي وايتالو كالفينو والبرتو موافيا وغيرهم ممن صنعوا الحداثة أو مهّدوا لها؟  

 

الواقع يتغيّر باستمرار، ولكل عصر رؤيته المختلفة عن العالم. تتغيّر كذلك اللغة التي نفكّر بها ونعبّر عن انفسنا بواسطتها، وتتطلب كل مرحلة جديدة أدوات ومنظارا ولغة جديدة، وهذا ما يسعى الى استنباطه كتّاب الرواية الايطالية الراهنة. واعتقد ان الجيل الذي تراوح أعماره في الوقت الحاضر بين الثلاثين والأربعين ينجح، بعدما انتج شعرا ممتازا، في تقديم عدد كبير من الروائيين المثيرين للاهتمام، الذين يواجهون الواقع المعاصر من خلال علله ومشكلاته، وذلك بلغة حيّة متقدة لصيقة بالكلام المحكي. وأذكر من هؤلاء نيكولو أمّانيتي وسيلفيا بالسترا وروسّانا كامبو وألدو نوفي وتيتزيانو سكاربا... وهم يتميّزون بلغتهم هذه عن كتّاب العقدين الأخيرين، الغارقين على نحو شبه تام في إشكالية حميمية، شخصية وخاصة، نادرا ما تُـجنى منها فائدة ادبية حقيقية.      

   

* كانت الروائية الكبيرة السا مورانتي تردد أن الكاتب الحقيقي ليس ذلك المعني بالأدب فحسب بل بكل شؤون الحياة العامة، الإجتماعية منها والسياسية وحتى الاقتصادية. فإذا اردنا التعريج على هذا "الشرّ الذي لا بدّ منه"، اي الموضوع السياسي، كيف ترى الى وضع عالمنا اليوم؟

 

من نافل القول إن عالمنا في حال يرثى لها، تحت وطأة قوّة كالولايات المتحدة التي تعتبر الكون كلّه أرضها وميدانها، وتمارس في أنحائه شتى أنواع الاستعمار الاقتصادي والعسكري والاجتماعي والثقافي والاعلاني. تصوّري ان ادارة بوش، "قلقة" من ان يخسر الأولاد العراقيون عامهم الدراسي ( متجاهلة خسارة الكثيرين منهم حياتهم )، بدأت تحضّر كتبا خاصة made in usa للمدارس العراقية ( أعني تلك التي لم يطلها الدمار ) لكي تحل مكان الكتب السابقة التي كانت تحفل بالدعوة الى "القتال لحماية الوطن" وتصف الولايات المتحدة بـ"العدوّ الخطير". هكذا تعيد أميركا اختراع العالم على طريقتها ومثلما يتلاءم مع مصالحها ورؤيتها الأحادية الجانب، وتخفي جشعها على نحو خبيث تحت قناع الديموقراطية أو الدوافع الانسانية. لقد بات واضحا أن على الشعوب أن تتحرك وتتمرّد. هنا أيضا في ايطاليا نعيش وضعا سياسيا مأسويا وعبثيا لأن النفوذ هو بين يدي رأسمالي احتل البلاد بأمواله وتلفزيوناته وشرع يستغلها لمصالحه الخاصة.  

 

* وفي وسط كل هذا الخراب، هل تعتقد ان يمكن الشعر استعادة دور اجتماعي "مخلّص"، خصوصا أن أصواتا كثيرة تقول بأزمة الشعر وطريقه المسدود بل موته؟

 

الشعر دائما في "أزمة" لأنه يتحوّل باستمرار لكي يظل على قيد الحياة ويعطينا مؤشرات عن العالم. أي انها الأزمة بالمعنى المحيي والمغني والمجدّد، لا القاتل. أما ما يموت حقا فهو شكل قديم من اشكال الشعر، تم تجاوزه ولم يعد قادرا على قول شيء. الشعر لا يمكن ان يموت بل أراه يزداد نفوذا، يواجه العالم ويمنحنا عيونا جديدة لكي نفهم الأزمنة التي نعيشها، مثلما فعل دائما. أي في اختصار، الشعر لا يحتضر، بل يشهد في رأيي انفجارا كونيا!

 

* كونك أيضا ناقدا ومثقفا ومراقبا، ماذا تنصح الشعراء الجدد في وسط هذا الانفجار الشعري العظيم الذي تعلنه؟

 

تأملوا العالم الذي يتحوّل، أصغوا الى اللغة التي تتغيّر، أدرسوا شعراء الماضي الكبار لكي تروا كيف استجمعوا طاقة زمنهم، واسعوا الى فعل ذلك بدوركم ولكن بطريقة جديدة. طريقتكم.

 

 من اعمال ناني بالستريني، في الشعر: تأملات في طيران العصافير (1956)، الصخرة المعلّقة (1961)، موشّحات الآنسة ريتشموند (1977)، العنف مصوّرا (1976)، جمهور المتاهة (11989)، المغامرات الكاملة للآنسة ريتشموند (1999)، أنطولوجيا مجموعة 1963 (2002)، كل شيء دفعة واحدة (2003).

في الرواية: نريد كل شيء (1971)، الناشر (1989)، اللامرئيون (1990)، الغاضبون (1994)، اختراع الواقع (1994)، استيقظنا ذات صباح (1995)، بارما 1922، مقاومة الفاشية (2002).

 

تحـذير: لا يسمح لأي كان أخذ هذه المواد دون ذكر كاتـبتها جمانة حداد

 ومصدر النشر،

وإلا سيُعتبر انتهاكا لقوانين حقوق النشر المرعية.

رجــوع