| |
الشعر مأخوذا من وراء الأقنعة
"من تكونين ايتها الغريبة"؟
بهذا السؤال الوجودي الذي يحيل على مأزق العلاقة الذاتية مع العالم ، تفتح الشاعرة جمانة سلوم حداد مجموعتها الشعرية الثانية "يدان الى هاوية" بعدما اصدرت قبل سنتين مجموعتها الشعرية الاولى بالعربية "دعوة الى عشاء سري". فهي اذ توحد بينها بين الغريبة منذ القصيدة الاولى، تسحب تيمة الاغتراب على معظم مناخات القصائد وعوالمها، والتي يمكن تحديدها واستجلاء كنهها في فضاء اغتراب الجسد الثقافي والوجودي.
هي هنا لا تتقصد تقمّص شخصية الشاعر الذي يجيء غريبا ويمضي غريباً، على ما نسج بعض شعراء الستينات قصائدهم التي انعقدت على تلك الدلالات. فالغريبة هنا أبعد ما تكون عن مفهوم البطل، المنقذ، النبي الغريب. فالاغتراب الذي تكتبه الشاعرة هو اغتراب داخلي لا يذهب الى الايديولوجي في معناه الجمعي. انها منذ البداية تكتب عن الغريبة في انها "مرصودة لجهنم الجسد" وهذا ما يوقع كيانها تالياً في الهاوية، فيما الخارج لا يغادر محل الثبات والسكون. تزداد الغريبة غربة وتغوص الذات عميقاً في وحدتها الروحية التي هي ليست الطرف الآخر من الجسد بل الجسد نفسه.
تبدو القصيدة الاولى "بلادك هذا الليل الحارق" احدى اطول قصائد المجموعة واجملها – أشبه بحوار حميمي مع شريك وهمي تسائله الشاعرة مستفهمة عن احواله. لكن السؤال سرعان ما ينطلي على الجواب الذي يحاثيه تنكيريا، فيتحوّل الجواب سؤالاً والسؤال جواباً. وهكذا دواليك.
الغريبة ليست اكثر من قناع للذات المشروخة من جهة، والتائقة الى اقصى درجات التمرّد والتخطّي من جهة ثانية. انها منذورة للشساعات الواسعة حيث لا بداية ولا نهاية، بل الحضور هو التوق الى العبور، العبور فحسب، من دون وجود ادنى رغبة في الوصول الى المحطات.
ان الوصف الذي تسبغه الشاعرة على الغريبة تبدأه خفيفاً ثم سرعان ما توسعه راسمة هالة كبيرة، يمكن اختصارها بالانشراحات التي تطاول الجسد وذاكرته فيما "الوجوه المغلقة" تتربص في الليل. والقصيدة تمتد لتنتهي بتحوّل الاخر المحاور (الغريبة) الى الانا نفسها، وتنقفل بضربة شعرية حادة حيث من فرط الاقنعة يمحي وجهها. ان القناع اذا يدمّر كل ما هو حقيقي، ويزيحه ليحلّ محله وجهاً مفتعلاً مزيفاً، انما يحيل على جملة المؤثرات القمعية الخارجية التي تخضع لها الذات، وتتحرك داخلها ما لا يجعل الرفض رفضاً والتمرّد تمرداً، بل يصير "شبقاً يخترق ذاته". ان الفكرة الدلالية التي تبثق من مستويات القصيدة هي تلك المعاني النرجسية الكبرى التي لا تهدف اطلاقاً الى احلال ما هو نسوي بل قذف الذات بلا خوف او اضطرابات في اقصى التمرّد والحريق من جهة، والانطواء على الداخل من جهة ثانية.
ما يميز قصائد " يدان الي هاوية " هو انحسار الفضاءات الاشهارية من القصائد، وهذا ما يجد مرجعية له في الخطاب الشعري ذاته. اذ لم يعد خطاباً اشهارياً فالمعجم الجسدي المباشر لم يعد موجوداً في شكل مباشر الا في حدود ضيقة واذا ما وجد فإنه لا يتمظهر الا من منقلب شعري آخر، أشد عمقاً واكثر ايحاءً. وهذا لا يعني ان الشاعرة ذهبت الى حوك مناخات الروح والجسد، هذه الثنائية التقليدية التي يتم تداولها عادة في شعر الحب العربي. فهي أبعد ما تكون عن ذلك لأن هذا ما من شأنه اقصاء الجسد. ان القصائد تنهض على افق شعري مغاير يرتفع بالذات الى الاعلى ويرد الاعتبار الى الاسئلة الانثوية المكبوتة حيث الشروط الثقافية والاجتماعية وعدم الاقرار بالاختلاف حتى داخل الائتلاف نفسه، يجعل من الكتابة عن الجسد اشبه بالمرور بين خطوط حمر والفقز فوق الاسلاك الشائكة.
"اتظاهر بانني نفسي / لكنني المعلومة الخفية / لا مناجمي اكتشفت ولا صقلت معادني / ما يلوح مني / محض ظلال القيتموها عليّ / تنوب عني".
لكن الرغبة وشهوة الجسد وغير ذلك من التيم التي تتوسل حداد كتابتها، تتبدى كما لو ان رغبة مسحوقة وغير متحققة هي التي تقود وتشق الطريق لهذه التيم. مفاهيم تتحرّك داخل قيم بائدة وهرمة، مقهورة ومنعقدة على ذاتها، تسلس امورها وقيادها الى اقصى اقصيين : التمرّد والثورة والاحتدام من جهة، والسكون والصمت والانغلاق من جهة ثانية.
" يحسبونك المتمردة / وما انت الا شبق يخترق ذاته / وذلك الذي يحسبونه رفضاً ما هو الا دوار التيه".
" كفي ايتها الاجساد عن الموت / اجمحي كسماء تغادر منتصف الحزن / كحب يعدو وراء حطامه".
مع ذلك، فالشاعرة لا تؤسس لشرعية الخطيئة والغفران، فازدياد الرغبة وتأجج العطش واندلاعهما يتجليان داخل البنى الدلالية للقصائد، فليس العطش سوى عطش الى الحياة، كما ان الرغبة والشهوة هما الرغبة في الارتواء من الحياة بأكبر كمية من مياهها: "العطشان جسدك ترويه شهوته / كصحراء تنتشي من ظمأ رمالها"، والعطش هنا ايضاً هو عطش انطولوجي الى الوجود نفسه مقابل العتمة او الموت اللذين يقتحمان كل شيء. تتكرر العتمة طوال المجموعة: "في الظلمة تنتظرك الوجوه المغلقة"، "ترى اين تسندين نجمتك عندما تمسّك العتمة؟".
ان جمانة حداد برغم كل الميكانزمات القمعية التي تلعب دوراً شاملاً في الحد من تفتّح الانا وانطلاقها، توحّد بين الجسد والرغبة، فهما يبدوان داخل القصائد شيئاً واحداً ويغدو هذا الشيء شعريا ضرورة قصوى من اجل تحقق الولادة الجديدة وتفجير الطاقة الداخلية وتحرير العواطف الحادة. وهذا الشيء الواحد ( الجسد / الرغبة ) وحده يعمل على تجذر الذات في الحياة واقامة توازنها. وهذا ما تكتبه الشاعرة وترسخه القصائد :
"طويلاً / ولم يعرفوا / عندما اشرقت بأنوثتي الباكرة / على سرير طفولتي / وتعلّمت / ان أنهب كنوزي لاغتني".
لكن الشاعرة لا تضيء الجسد بوصفه كرنفالاً بل بوصفه طاقة غير مشخصنة، ومن ثم تعيد تفكيكه واعادة ترتيبه وصوغه من جديد. تتجلّى داخل القصائد الفردية والذاتية والاحساس العارم النرجسي بالاكتمال عند محاورة الاخر من دون ادنى خضوع او تبعية له او الحاق. ان الوضعية الاجتماعية التي تزدري الجسد تحددها الشاعرة بالاقنعة وهذا الرمز كثيرا ما يتكرر في القصائد، ليختصر حالات التنكّر التي تقبع تحتها الشروط الاجتماعية التي تعيش فيها الذات.
"أبحث عنك ايتها الاجساد من اجل تفكيك الاقنعة"، "من فرط الاقنعة يمحي وجهك"، "اهرب من الضعف البريء الى الضعف المطلق / ومن الجنس الى شهوة لا يقتلها الجنس"، "لا تريدهم ابطالاً / تريدهم رجالا كي تربح".
لكن الشاعرة التي تختار الصدام والمجابهة مع العالم الخارجي تبدو اكثر سعيا الى كتابة الهموم الانثوية بحدة، تلك الهموم التي لا يتم اضمارها او اخفاؤها بمقدار ما يتم تدمير الاشارات الاشهارية التي تحيل عليها مباشرة. وهذا لا يعني ان الشاعرة تحوك قولها الشعري مستعيضة عن تلك الاشارات بشيفرة شعرية يصعب فك رموزها، أو حلها، بل تلجأ الى كتابة هذه الهموم والمشاغل الانثوية في لحظة كتابية نصية تمتزج فيها الاقتراحات الشعرية مع الاقتحامات الدلالية للنص نفسه، حيث شعرية النصوص لا تقل اهمية عن الاختراقات المتحققة على صعيد المسكوت عنه الذي تكتبه الشاعرة : "كلما خرج قمرها من العرين / أطلق أسودها / الليل ، اذا / كي ترسل شياطينها وتحصي فرائسها". واذا كانت جمانة حداد لا تذهب الى الاشهار الا انها تذكر طوال المجموعة كلمات مفاهمية مثل الشبق، الرغبة، الشهوة، او تكرر حفل الالتهام بوصفه فعلاً جنسياً: "جلسوا في مخيلتي والتهمتهم ولم يعرفوا"، "انت في أوج الذكاء / وانا في أوج المأدبة".
ان الوجود الرمزي للرغبة والشهوة داخل القصائد يتحرّك عوضاً عنهما متجلياً عبر ايحاءات واشارات ينخفض فيها المعنى التقريري لتحل محله الاطياف الايحائية التي تسطع منبثقة في طبقات القول الشعري. هذا الانبثاق لا يحيل على سلوك قدر احالته على خطاب شعري يكتنز بالايحاءات، وينفتح على فتنة الشعر وليس على نص الاخبار. تنقلنا الشاعرة الى الصمت والسكون من خلال القبض على اللحظات الشعورية للجسد في علاقته بالآخر، وفي علاقته بنفسه، وهو هنا يعمل على اشعال نار المعنى وتأجيجها، فالرغبة والشهوة تتولدان في القصائد من حالات سكون مفزعة، وهما ليستا "نيغاتيف" للشعور الداخلي بل هما الصورة الشعورية نفسها. وعلى هذا تبدو قصائد حداد حالات نفسية ديناميكية متحركة، بطانتها الكثافة وملؤها الصور والاستيهامات والاطلالات الداخلية.
ترسم جمانة حداد تاريخاً مأسوياً للشهوة والرغبة في تحققهما وعدم تحققهما ضمن فضاء يدمرها ويسعى الى تقويضهما باستمرار ، خصوصاً الرغبات الحارة التي تتحقق وتولد خارج اسوار النظام المؤسسي.
تعمل الشاعرة على زحزحة الأشياء من وضعها الطبيعي لتدخل في عالم لا ينتهي من الايحاءات والدلالات، لكن يلاحظ هنا ان ما يهم الشاعرة وتحرص عليه هو عدم اقتراب القصيدة من النفعي او اليومي المباشر. اذ يبتدىء اشتغال الشاعرة على المعاني الانثوية الداخلية لحظة توهجها والتي تنكتب منظمة وغير متسمة بأي ميوعة لغوية رومنسية تحطّم المعنى وتلغي الشعر. فاللغة تنبني داخل طبقات القول الشعري ضمن طرائق وأساليب تجعل التعبير والمحتوى يسيران في خط متواز خلال القصيدة. فمناخات الرغبة، الشهوة، الحب… الخ التي تتوسلها الشاعرة في قصائدها ليست انعكاساً للعلاقة الخارجية مع الآخر- الرجل بل هي حصيلة الادراك الذي يجعل اليد والعين والفم تصوغه وتنسجه.
"تعلمت / ان انهب كنوزي لاغتني / طويلاً / عندما نضج جسدي ببرقه العسلي/ واهتدى الى دربه الضيقة". ان عوالم القصائد تطلع من التمثلات الثقافية، وهي لا تخص الذات الانثوية في علاقتها بالاخر – الرجل فحسب بل فضاءهما وزمانهما المحليين، ومجمل العلاقة الانسانية التي تعيشها الذات وما تفرزه من قيم وتصورات واحكام.
تنطبع طبقات المعنى ودلالاته بالنكوص والارتداد حيناً، وبالجرأة والاقتحام حيناً آخر. فثمة تلازم بين القسوة والحنان، الرفض والقبول، الاعتداد بالنفس ومنح الحب ووهب العطايا الجسدية.
"ابوابك موصدة لكنك طرية كلذة تنفتح". شعرية المعنى الجريح هي الشعرية التي تتوسلها حداد. من هنا يمكن ان نفهم النقلة النوعية التي تكتنف قصائد المجموعة، مما يجعلها تنزاح في اتجاه تطوير تجربتها الشعرية ونقلها الى مناخات وفضاءات شعرية جديدة من دون ان يعني هذا قطيعة جمالية كلية مع مجموعتها السابقة. "اتلوى في شهوتي/ كشجرة سكرى بهوائها" "تعال / نمشّ صدري برغبات عينيك". ان القول الشعري ينبني من خلال الامساك الحدسي للذات بالعالم، والشاعرة اذ تتأمل شعرياً تجربتها المادية لا تتوقف عند ذلك، لذا نجد ان القصائد وليدة الممارسة الانسانية التي تولد خزاناً للحالات الوجدانية. من هنا نفهم اهمية التناقضات والطبقات داخل القول الشعري من دون ان يكون لدى الشاعرة أي افتتان بلاغي. ففي القصيدة : "يفرقهم / يجمعهم، اثم / توبة، جحيم / مطهر، "شبق يسلم اللذة / شبق يتلقاها". ان الثنائيات التي تصوغها الشاعرة تجعلنا نفهم ان ما يجعل التسليم وحدة دالة هو التلقي الذي يليه، وما يجعل التوبة فعلاً شعرياً دالا هو الاثم الذي يعقبها، وما يجعل جحيم الخيال وحدة دالة هو مطهر الاصابع، حيث يتم الانتقال الى ما هو مادي ملموس، لكن هذا لا يمنع من ان تذهب الشاعرة الى الاضمار والاستتار دافعة المحمولات الدلالية الى الاقصاء التام: "اخضرها الذي يهرب في غيمة بيضاء / كلما اسرها احمرارها في اخضر الصمت"، "كلما خرج قمرها من العرين / اطلق اسودها / الليل اذا ، كي ترسل شياطينها وتحصي فرائسها".
تحافظ الشاعرة على بساطة التراكيب متجنبة كل الاستعمالات الاستعارية المعقدة. واذا كانت القصائد تنطبع بعدم التشخيص، والاستعاضة عن ذلك بذكر القيم المفهومية، فثمة في المقابل تلك الطريقة التي يتم من خلالها نسج هذه القيم ضمن القصيدة مما يجعلها تتحقق شعرياً، الامر الذي يمنع القصيدة من الوقوع في التجريد المحض بإرساء مواقع شعرية اكثر رهافة وحدة وايحاء في الان نفسه. تعمد الشاعرة الى اقامة تناظرات دلالية تعمل على ضبط الفضاء اللغوي والدلالي الذي تتأسس عليه معانيها. هذا ما يؤدي الى نظام المعنى ضمن طبقات. واذا كانت الشاعرة في الغالب تكتب قصائدها بضمير الانا، فان هذا الخيار دفع القصائد في اتجاه البوح، حيث الرغبة في قول نهايات الامور وخلاصة التجربة الطويلة، مما يمنح القصائد حالاً من التوهّج وقدراً من الحميمية. لا تقوم الشاعرة بعمليات انقلابية لغوية داخل الشعر، كما ان اللعب اللغوي والفذلكات الشكلانية لا تهمها ايضا، لكنها تستعمل تقنيات شعرية كثيرة كأن تسعى الى تحسيس المجرد وتجريد المادي، في عملية ديناميكية جدلية تضيء التجربة وتظهرها: "الوحدة تتوسد القلب" "كيف تلتئم رغباتك" "تتأبطين وحدتك" "مزاجك يتناثر". ايضا تعيد الشاعرة الاعتبار الى كاف التشبيه، وتنسج تشابيه طازجة تحيل على عمق الشعرية مثل: "كآبة الوجه… كضوء خافت يطعن الليل من الخلف" وغير ذلك من الصور والتشابيه التي تنضج بالشعر وتجعل كثيراً من القصائد تلعب فيها المخيلة الدور المركزي الاكبر في اقامة التوازن داخلها.
قصائد "يدان الى هاوية" تتموضع أسلوبياً وجمالياً تحت سقف التجربة الشعرية الخاصة بجمانة حداد، حيث الغربلة والابتعاد عن المناخات الاشهارية داخل الحياكة الشعرية، والانهمام بلغة تتسم بتشفير الصور والتراكيب حيناً، والاعتماد على جملة من المرموزات حيناً آخر، من دون ان يشكّل ذلك هدفاً وحيداً ومباشراً تفتتن به الشاعرة التي تظل تحرص على الصلة الاسلوبية والدلالية لمناخات ممجموعتها الشعرية السابقة.