| |
دورة اللاحق الهارب الهارب اللاحق
جريدة النهار- 1-11-2000
عقل العويط
عندما أصدرت جمانة سلوم حداد "دعوة الى عشاء سري" قبل عامين من الان تقريباً، كانت قد افصحت عن ملامح شاعرة واعدة ستتبلور لغتها الخاصة بين الشاعرات والشعراء اللبنانيين الجدد. لم تتردد كثيراً او تتلجلج في صناعة خياراتها الشخصية، الانسانية والثقافية، بل عرفت منذ اللحظة الاولى انها ستقيم موطناً للكلمات، ولها خصوصاً، ينفتح مرة على الشمس ليتنقّى والمرات كلها على جوهر القمر والعتمة، ليكون أميناً لمعناه وقريباً من ينابيعه.
كانت منذ البداية، أي منذ كتابها الاول في الفرنسية، قد اعلنت انتماءها الى زمن الحلم، وها هي في مجموعتها الشعرية الجديدة، "يدان الى هاوية" الصادرة تواً عن دار النهار للنشر" تمعن في السير الجريء والواثق والصعب داخل حلمها الذي بات دعوة حارة الى "هاوية" تزداد خصوصية وعمقاً وجحيمية.
ليس بكلمات النقد البارد الميت والاوصاف الخاوية الوفاض يحتفى بهذا الكتاب، بل بلغة صريحة ، غير متشاوفة وغير مدّعية، صاعقة، بارقة، مارقة، خضراء، حاسمة، جارحة، مالحة، طيبة المذاق في كل الاحوال، تشبه الجمر وتتخمّر به، لكي يكون الاقتراب من هذا الكتاب والعيش في ظلال صفحاته وتحت سقف جموحه النزق والرقيق الاليف محفوفاً بلوعة الحرائق الداخلية التي يصعب الانصراف عنها او البقاء تزهداً على الحياد حيالها.
اذا فليكن الاحتفاء بكلمات تعلن الانحياز بوضوح، وتكون كجروح من ذوات البريق واللمعان لكي يعرف القارئ رأينا تماماً، ويدرك أي مصير يدعى اليه الشعر، واي "هاوية" تريدنا هذه الشاعرة الطرية الممتازة ان نشهد لها.
وليكن الكلام بلغة المخاطبة.
يداكِ ايتها الشاعرة تقودانك الى هاوية، هاوية الذات والجسد والتجربة. هناك تصقلانها، تلمّعانها، تكهربانها، تلعنانها، تحتضنانها، تروّضان خوفها – خوفك فيها، وتفككان أقنعتها – اقنعتك التي من فرطها، "يمحي وجهك – ايتها الغريبة".
وفي تلك الدرب الى هناك، وفي العودة منها، يكون تجوالك كيانياً هجسياً فاتحاً نوازع الباطن الانثوي (والانساني مطلقاً)، مسلساً القياد لها، مأسوياً بدون جلجلة، كريماً، دؤوباً، صامتاً، هامساً، ليلياً، مقمراً، مشمساً، صاعقاً، خاطفاً، شبقياً ، أرجوانياً، آثماً خفراً وعميقاً.
تجوال لا تعتوره مشقات الجبال ولا وعورة الشعاب والوهاد. فهو يشقّ مسراه الواثق بالكثير من التواضع والامحاء والصمت الغزير المعنى، وخصوصاً بالقليل من الصخب.
بل يشقه محرراً من مظاهر التهديد والوعيد، ومن مزاعم العنف اللفظي المفتعل. نقياً كنقاء "الشبق" و"الفساد" و "الاثم" مغسولاً ببلل الانهار والظلال، جامعاً الحصاد، وقمح البيادر، لكي يكون المجيء محمّلاً مؤونة للفصول، وضوءاً يعمي – ذهباً وأحجاراً كريمة اخرى – لكي تكون الاقامة خياراً يسبق الوعي ويزامنه ويليه، ملعوناً ومشتهى، لا مقراً فردوسياً وقسرياً.
تجوال يعثر على الجوهر البشري والشخصي فتحملينه بجسدك وبروحك، أي بكلماتك، فتتخطّى وتفوز، لكن بألم شديد وبجروح هائلة. لكن أيضا ببساطة عميقة، فكرية ووجدانية، وبحيوية لافتة وبوضوح يشبه وضوح الرؤيا واعترافاتها.
لذا فان تجوالك لا يزعم ولا يدّعي ولا يتصنّع ولا يفتعل ولا يتثاقف، بل ينضح. هو يأتي ليناً، حقيقياً، صريحاً، معترفاً أميناً على وزناته، ناقلاً مشاعر الهجس وافكاره من عتمة الباطن الى عتمة شعرية توازيها حلكةً وتألقاً، راوياً الاحوال الداخلية مطلقاً، كاشفاً عريه بدون ابتذال، على غرار الاسرار والحقائق (الشعرية) فلا يحتاج الى ادوات خارجية تعلنه وتسعفه لتحفظ حياته.
فـ "يدان في هاوية" كتاب يذهب مباشرة الى جهنّم الجسد. بل هو يقيم ليله ونهاره هناك، معلناً جوعه وشبعه، ثم شبعه وجوعه، في علاقة دائرية لا نهائية تمعن في الذهاب والعودة وفي العودة والذهاب، كأن حياتكِ لا تطيق اقامة في منفى، بل تريد وطنها – الحلم فلا وطن لها سواه. تريده "كي تظل شبيهة بالجنين" وكي تظلّ تجول في العدم نازفة من نزقها ولا تريد ان تبرأ.
انها "دورة اللاحق الهارب الهارب اللاحق" على قولكِ. دورة بلادها "هذا الليل الحارق" حيث لا اسم لتلك البلاد ولا آخر، لانني "لم انتم يوما الى نفسي / ولا حجبني عنها غياب"، ولأنّ روح الشاعرة كلما دنت لحظة الوصول تجعلها بعيدة.
هي دورة افتراضية ومتجسدة معاً، تعلنين فيها "لا انتماءك" الكامل. وفي هذا اللاانتماء تعثرين على الجسد وتنبت زهرة حريتك. هي حرية روحية وجسدانية يصنعها "دوار التيه". لذا تقولين "احببت وأغلقت أبواباً كثيرة لئلا أهب أحداً غيابي" ففي هذا الغياب غير المملوك من احد او من أرض او من وطن مادي تصنعين ايتها الشاعرة الحرية وايضا الشعر.
لا شيء ولا احد يمكنه ان يمتلكك ايتها "المرصودة لجهنم الجسد" بل قدرك وقدر لغتك ان تمتلكا، لا العكس. وانت اذ تستسلمين لـ "دوار التيه" هذا، فانك تكونين وتستسلمين لكمال حريتك، ولا تتيحين لاي كيان اخر – سوى هذه الحرية ان "يصادره" وفي هذا " تعذيب " قدري، تعشقينه وتريدنه بدل ان تكرهيه وتلعنيه بسبب ما يتركه من بصمات وحشية ومؤلمة على صحراءي الجسد والروح.
دورة أو دوار هما اشبه بـ "شبق يخترق ذاته" ليصنع ذاته، تماما كهذا "العطشان جسدك" الذي "ترويه شهوته كصحراء تنتشي من ظمأ رمالها". شهوة الارتواء اذا هي ظمأ والظمأ ارتواء. بل انتشاء. هكذا لا انتهاء لـ "دوار التيه" ولا لتلك "الدورة"، دورة اللاحق الهارب الهارب اللاحق". ومع ان الابواب، ابوابك موصدة ايتها "الغريبة" فانك طرية كلذة تنفتح وفي "الظلمة" - وهي اوانك وموطنك الخلاصيان – تنتظرك "الوجوه المغلقة" وتذرف روحك "كمال جنوحها".
عبثاً يُبحث عنك ايتها "الغريبة" خارج الليل، أي خارج الحلم. عبثاً، خصوصاً، خارج لغة الليل والجسد والحلم. فما يلوح منك هو "محض ظلال ألقيتموها عليّ" و "محض افكار اخترعتموها لي" . فانت في عدمك تجولين، وفي غربتك تعيشين، باحثة عن الاجساد، عن اجزائك المتناثرة في الكون كي تؤنسي هذه الغربة، وكي تعثري على ما يسعفك في تجوال دوارك، من اجل ترويض الخوف وتفكيك الاقنعة و … اكتشاف اللغة في الجسد.
عبثاُ أيضاً يُبحث عنك في عناوين "الشعراء" و"الرجال" لان لا اقامة لك هناك، ولان هؤلاء جميعاً لا يستطيعون، اذا اقتربوا، سوى ان يعرفوا "لحظة واحدة مني".
في مستحيل الحلم تعيشين، وانت اذ تعودين الى الحب فكـ "عودة اللبوءة الى زوجها الاسد" فالحب ، في رأيك "عادة سيئة" لكنها معشوقة، وانت "لا تجرؤين على الشفاء منها".
انه حب "آثم" وقد تعمّدت ان يكون كذلك، " لتكون لكِ ذنوب مستحقة، فـ "طويلاً" اغويت الملذات / سرت طويلاً في صحبة الظل / ما رأيت سراباً الا تبعته / ما صادفت ناراً الا اخذتني".
بلا هوادة، لكن بخصوصية لافتة وغير متصنعة، تصنعين ايتها الشاعرة جمانة حداد هاويتك وتحفرين بعمق ونوعية ذلك المجرى الذي سيتخذه النهر موطناً له، لانك تقولين "سوف اكون شعر النهر" فحسب.
والنهر، ونعني شعر النهر، هو موطنك. وهو ليس نهراً يجري في الارض بل في ارض الحلم والجسد واللغة فحسب، ولن يكون لك موطن آخر.
وهو موطن مشغول بلغة مختصرة، متوهجة، مقتصدة مختزلة ممعنة في الصفاء والإلفة والشفافية. لغة تحمل مرة تكوين القصيدة النثرية ومرة تكوين الشذرات، وهمها في كل احوالها ان تقول بالقليل القليل من الكلام، ما يوحي وما يدلّ بلا عجرفة او صلف، انما بصلابة من يحسن تسديد السهم واسقاط الطريدة. لغة واثقة من نفسها، غائبة لفرط امحائها، ذكية لكنها "آثمة" و"غير بريئة". لغة امرأة، بل لغة–امرأة ونعني بكل هذا انها لغة ملتهبة.
واذا اردنا ان نختم هذه المخاطبة، فهل من كلام نختم به اجمل من قولك: "الكلمات وحدها على مهل تصنعني" و"سيمضي وقت طويل قبل ان اعرف كيف أفسد حياتي"!
فنعم "الكلمات" ايتها الشاعرة، ونعم ذاك "الفساد" النقي. لكن ، ما دام "لكل شروق سكّينه" و"جروحه" فكيف تستطيعين؟
بل كيف تتحملين هذا الشعر – شعركِ – المشغول في مناطق الجحيم ايتها "الغريبة"...