الذات الانثوية في يأسها المشبع بالأمل

 جريدة الحياة- 7-12-1998

 صالح دياب

ترسم الشاعرة اللبنانية جمانة سلوم حداد في مجموعتها الشعرية الاولى بالعربية "دعوة الى عشاء سري" ( الصادرة عن دار النهار ) تضاريس الذات الانثوية واستيهاماتها الداخلية : يأسها المشبع بالامل واملها المبلل بالخوف ، مشيدة زمناً نفسياً خاصاً بها.

لا تستظهر الشاعرة ذاتها استظهاراً، بل تترك خطابها الشعري يستبطن ذاتها في علاقتها بنفسها ، وبالعالم ، جاعلة من الجسد بؤرة مركزية خيطية في كل القصائد محولة اياه كتلة احاسيس في القول الشعري،  يحتفل به ويحتفل بها.

ذهاب القصيدة الى هذه الاماكن الحفوفة بالمخاطر  لم يؤد الى وسمها بالتصعيد البراني، او وقوعها في وحول لغوية رومنسية ، ففضاؤها التعبيري أبعد ما يكون عن الاستيطان العصابي للغة. الشاعرة اذ تسائل الذات والجسد، مضيئة المناطق المعتمة والمسكون عنها، تكشف عن وعي مغاير للوعي الذكوري المهيمن، وتسعى حثيثاً الى تحرير القصيدة من أحادية الصوت السائدة. وهي في توسلها ذلك تلجأ الى القبض على لحظات الرغبة الكثيفة ، الجامحة ، الجارفة ، وتنقلها من الزمن النفسي الى الزمن الشعري، من خلال تشخيص الاستيهامات وبناء قول شعري ينضج بالجرأة والتعدد وتلقائية البوح. "شعلة انا في نهر / يطفئون بمياهي رغبتهم / فيجرفهم تيار مللي الى مصب اللا عودة/ اين الشمس التي تمتص الوحدة وتلتحم بالشعلة / فأعرف صرخة اللهيب ؟ / جسدي طبق / وانا أريده أسناناً " ( ص 48 و 49 )

يتسم القول الشعري بحركة والتفات دائمين، من ضمير المتكلّم الحاضر الى ضمير المخاطب الحاضر وبالعكس او خطاب الذات بضمير المتكلم، هذا الانتقال الدائم من خطاب الذات الى خطاب الاخر ومسائلته شكّل فضاء أضفى بعداً حركياً على القول الشعري الذي وازاه على صعيد اللغة ، التي راحت تتشكّل في حال من الانجراف والفيوضات الداخلية، الامر الذي عدم الرتابة والسكون، وجعلها تتوتر توتراً داخلياً، ولا تكتفي بالايحاء بما هو غريزي حسي، بل تحفر تحته أيضاً.

تشيع الشاعرة في القول الشعري اشارات ورموزاً تحيل على نرسيسية انثوية تختصر الذكورة وتحولها شكلا اخر مساوياً للأنوثة، ويمكن ملاحظة ان النبرة الأنثوية داخل القصيدة تساوي تماما النبرة الذكورية المجابهة، فشعلة الرغبة الطوعية لا الطاعة العمياء هو ما ترغب الشاعرة بترسيخه، اذ تغيب المرأة الناقصة الضعيفة الاداة الموضوع ليحل محلها فضاء العلاقة المتكافئة. لذا يمكن القول ان الشاعرة لا ترغب بكتابة شعر عن الحب، ولا ان تحول الحبيب الى محل غزل ومديح ووصف بارد، بل ان تكتب شعراً ينبثق من داخلها بوصفها امرأة لا اكثر ولا أقل.

ان المجال التعبيري الذي يتبدى في فضاء القصائد هو السفر بالذات عبر جسد الآخر ، لا محاكاة حركة الامكنة والشخوص : " أسافر اليك وأبقى "(ص27) " سفري اليك طويل وأحمل زاد الرغبة " (ص26) والسفر هنا هو سفر مزدوج فالأنا والآخر مأخوذان ببعضهما في وحدة جوهرية. هذا ما تكشفه الشاعرة اذ تقول : " لا أذكر قبلاً/ اني خلعت ثيابي في وضح النهار / من اجل رجل / عيناه مغمضتان " (ص62) فشرط الفعالية هو وجود ما يقابلها تماماً ويساويها بالفعالية الجسدية والروحية نفسها. ففي القصائد يتشكّل نسق ثنائي: الاول هو نسق الأنا التائقة الى اتساعة والافق المفتوح والانطلاق، والثاني هو نسق الآخر، المغلق العاجز ، البارد الثابت :

حبكت من اجلك فضاء اللاعودة فالتحمت بالارض ونويت الجذور / ايقظت من اجلك رياح جنوني فتمددت على بساط الحكمة / واسترسلت ( ص57).

تجترح الشاعرة خط حياة عبر الجسد والكتابة، الجسد لا كاستعارة شعرية بل كحقيقة مادية ، لذا فهي لا تبقي القول الشعري في حالة إنخطاف براني به، بل ترسّخه كضرورة وشرط للشعر، بوصفه القصيدة ذاتها، مساراً وسيرورة انطولوجية، شساعة كثافات ، ودفقاً وزخماً انثوياً ، يرسم للأنوثة تضاريسها الخاصة : الايقاعات، الحس، الشعور. وتهيئ للجسد ان ينفتح على سؤال كينونته الاساسي في العلاقة مع الآخر ، فالاستراتيجية التي تتبعها الشاعرة في قصيدتها ليست استراتيجية الممارسة النصية فحسب بل الممارسة الحياتية ايضاً، التي تمسك بالتجربة وتجعلها ذات معنى، يُرى لك من خلال اضمار القصيدة لذلك التوحّش والانجراف الهائلين اللذين يتسربان من طبقاتها الدلالية والتركيبية.

تؤسس الشاعرة لشعرية العبور "سأرقص فوق الماء / وأعبر الى الضفة الاخرى " (ص52) "اقف عند باب حلمي / أحاول عبور النفق" (ص48) والتوق الى السماء المفتوحة للخيالات التي تتحقق والمطلق الذي يظل ينادي للقبض على الاخر، الامر الذي يجعلنا نتنسّم صوفية ميتافيزيقية لهذا التوق رغم كل الجسدانية المشاعة في القصائد، بمعزل عن العنوان الذي يدخل في حالة تناص مع النص الديني. اذ ان وعياً يظهر من خلال القصائد، مجتمعة للوضعية الاجتماعية التي توجد فيها الشاعرة، وللسلطة الذكورية ولسلطة الكتابة التي تكشف الشاعرة عبرها، وتنبش عمق الذات والجسد، بمعزل عن الميكانزمات العميقة والافكار المعرفية الشائخة.

ان اكتناه الفضاءات الجمالية والتعبيرية للخطاب الشعري يحيلنا على تأسسه من حقلي الكلام واللغة. فالشاعرة تعمد الى تحسيس المجرد مشيعة مناخاً درامياً خفيفاً على رغم ان حركة الاصوات داخل القصيدة لا تتعدّى الصوت الواحد الذي ينفتح على خطاب الذات والآخر.

في الغالب ثمة محافظة على البنية التحتية للقصيدة والمناخ الغنائي المنبثق من المونولوغ والمستند على قانون التموج الغنائي الذي يحمل معه الانفعال الشعري: (عندما ثمرة صرت).

في أحيان قليلة تعمد الشاعرة الى الامتداد الافقي في اللغة متوسطة قصيدة النص، وهنا تلجأ الى التركيب والتنظيم الهندسي للمعنى وللقول الشعري نفسه جامعة عناصر متفرّقة، داغمة اياها ضمن شبكة الفضاء الذي تشكّله ، فضاء المجابهة العنيفة للمحمولات الذكورية ولسياقاتها المعرفية، مثل ( قال الليل وهو يودعني ، قطاف اللاذاكرة ، تبصر بلسانها الخ )

قصائد " دعوة الى عشاء سري" ترسم تضاريس الانوثة في بروقها الملتاعة وصورها المخنوقة. تعري فيها الشاعرة الاستيهامات الذكورية من موقع المساواة والتكافؤ مازجة فضاء الرغبة بفضاء التلفظ حيث الجسد يبتدى بوصفه أسلوب كتابة ووسيلة لاستدعاء الاخر، والامساك عبره بالعالم، تصوغها الشاعرة كما الساقية تحفر مجراها بطمأنينة العارف الافق الذي سيذهب اليه مستقبلاً.

 

رجــوع