أنثى الشعر تضرم النار بها

مجلّة المسيرة- 16-11-1998

      عمــاد موسى 

حواسها الست شعاب تؤدّي الى غموض الأنوثة والمفردات لعبة لا تنتهي. تحرّك جمانة سلوم حداد بسكين الشعر ازهار الرغبات ، تكتب بنبض الفجأة والرومنسية غطاء الاحلام القتيلة.

"دعوة الى عشاء سرّي " كتاب مفتوح على التناقض الجميل وعلى رمادية الحزن والتأرجح بين الحقيقة وظلها. عن "دار النهار" صدر في سلسلة "قصائد الغد" وتسلل الى العيون النهمة العطشى الى غير المتوقع. فالشاعرة كتبت بالفرنسية مذ مسّها الشعر وتضلعت في اللغة الايطالية منذ اعوام غير بعيدة، وتلاعبت بمفردات عربية برمزية فاضحة فبنت مناخاً وصورة امرأة تغرف من المكبوت الجميل، محترقة بمخيلتها، مجنونة بحب لم يكن، متوهجة بنار، بماء بسماء الاحاسيس، بروعة الانتماء الى الجنس المثير بالمستور منه والمكشوف، والغامض والواضح والمتوتر والشيطاني بالتأكيد .

في قصائد جمانة حداد ونصوص العشق "يرفرف" اللسان "ويزقزق  الصمت والانوثة الوقحة يهددها الخجل، والوقت يأتي "ذات فراشة" أو "بعد أجيال من العصافير"، وزمن الشعر مساحة تناقضات متآلفة في رومنسية تهرب منها الشاعرة وتعود اليها مستسلمة لنشيد، ولطيف رجل لن يأتي. وان جاء لا يستأهل الشعر. اهميته انه وهم وجاذبيته انه قمر غير مكتمل واشتعال يحرق المخيلة والاعصاب فقط.

تدرك الشاعرة العاشقة في قرارة القصيدة، انها تمتلك السلطة الخفية المتجسدة لهفة وشوقاً وضعفاً ومستحيلات، وسلطتها انها انثى، صريحة في تلمسها المعاني والذات. ولانها غير كل النساء تختار السيد الذي تحبه وترفض ان تحبه. تخاف الذي يلي روعة الانتظار. سلطتها انها الفاتحة والعاصفة والممسكة بمفاتيح الليل والضوء والرغبات. تدرك الشاعرة انها من الناس الذين يغيرون عبر الشعر مفاهيم سائدة او الذين يمزقون بكارة التعبير او الذين يلتذون بقدراتهم على الخلق. وفي كل ذلك نرجسية مبطنة، وهي سمة مشتركة بين المبدعين الحقيقيين. فاللغة حياة ولحظات النشوة هي سمو الاحساس الى مستوى البريق او سقوطها الى العمق الابعد من التصوّر.

يقال الكثير ويراق الكثير من الحبر الناشف والسائل على ضفاف النصوص المضيئة كالشفاه او كالنجوم أو كاحتمالات نهد متأفف. الدعوة فيها من التحريض بقدر ما فيها من التحريض بقدر ما فيها من التباس البوح. المهم الا يعرّى النص من عريه، ولا الهمس من شفافيته وألا يرتدي الناقد ثوب المحلل الكيميائي.

عطر النص يقود الشاعر ( بالقوة ) الى اقتفاء آثار "الدوخان" ويدل القارئ الى أسباب نافرة للدهشة وللحلم وللسفر في حكايات جسد تتبخّر حين ينام شهريار.

 

رجــوع