| |
دعوة الى مناطق الهجس
جريدة النهار- 22-10-1998
سـناء غانم
نغتبط عندما نقرأ ديواناً شعرياً او روايةً او نصاً ادبياً عاماً في العربية يكسر، مباشرة وبقوة حرمة المكرّس في الكتابة الذكورية التي تتحدث عن المرأة بلسان رجل. كما لدى قراءتنا الادبي العربي الحديث، وخصوصاً اللبناني ، وفي الستينات وبعد السبعينات ، نشعر ان الكتابة الادبية آخذة في تضييق المسافة الهائلة بين لغتي الرجل والمرأة ، وان لا احد من الطرفين يستطيع منفرداً ان يستأثر بالآخر ادبياً ، وينوب عنه في التعبير عن مشاعره وافكاره ، مهما بلغت حدة توتراتها الداخلية، وايا تكن المناطق السرية التي ترتادها.
لقد أسّس في تلك الحقبة " تراث" حر من الادب الجديد ، كانت فيه الكتابة نوعاً من الارض المشتركة والمتداخلة بين الرجل والمرأة. فكان الكاتب اذا اراد ان يكتب الحبيبة او عنها، يعرف في المقابل ان ثمة كاتبة تكتب ذاتها او عن ذاتها ويعرف ايضا ان ثمة فوق تلك الارض الادبية المشتركة ما لا يستطيع هو ان يكتبه بنفسه او يكتب عنه، بقلم هواجسه وعقله وجسده ومشاعره. وبات ذلك التأسيس مثابة جزء لا يتجزأ من طبع حياتنا الادبية ومن إلفة تلك الحياة وغناها.
لكن زمن الوهج ذلك، عندما انقضى اكثره، سدل ستارة من الخسران وراءه، بحيث ان كتابتنا دخلت، رغم كل الانتاج الادبي النسائي المرافق والمتنوع، في مرحلة شبه أحادية تمثلت في كتابة الذكوريه عن المرأة الى حد بتنا معه نظن ان الكتابة على لسان امرأة وفي صيغة " الأنا " الحادة لن تستطيع ان تشق طريقها في سهولة في حياتنا اللبنانية العربية. صحيح ان كتابات كثيرة ظلت تغني مكتبتنا الادبية، طوال الفترة الممتدة من السبعينات حتى اليوم، تحمل توقيع اديبات وروائيات وشاعرات، من لبنان والعالم العربي، لكن بعض هذه الكتابات اختار صيغاً لا تقوم على استخدام " الانا " الانثوية مباشرة ، بل ربما تبتعد عن خوض غمار التجرؤ على السائد الكتابي و" انتزاع" الدور الذي صادره الرجل ، بحكم الامر الواقع ، وجعله لنفسه، حيث يعبّر عن هواجس المرأة وأفكارها، مروراً بقلمه وبجسده وبلغته الشخصية.
في غالب الاحيان نقرأ في ادبنا، وربما في ادب غيرنا ، صورة المرأة وافكارها وجسدها وهواجسها خلال ما يكتبه الشاعر او الروائي عنها. فأدبنا الذكوري يكتب في " جرأة " عن المرأة ، واحياناً يكتب المرأة ، لكن من حيث يرى ويشعر ويختبر. واذا كانت بعض الكتابات النسائية تروح اليوم في اتجاه كسر هذا السائد ، فان بعضها يسعى الى ذلك ، عبر اساليب لغوية وذهنية يجري فيها اكثر الكلام على لسان الاخر ايا كان ضميره اللغوي.
يخشى المرء وهو يكتب مثل هذا المقال ان يقع في التعميم، الذي يجرف التفكير الى متاهات يصعب التقاط وقائعها وحسن نتائجها الحسية والعقلية بالبرهان الدامغ. لكن ما لا نخشاه هو شوقنا الى أدب يجري على لسان امرأة بلغة "الأنا" ويدخل علينا دخولاً جريئاً ومتجزئاً، كاسراً حدة التحايل والمراوغة والخجل في قول الذات ، مانعاً "اللياقة" المواربة والخبيثة، واضعاً الكلام بدون أقنعة لغوية وذهنية وشعورية وبدون خفر منهجي ومبرمج. أدب يفتح لنا بلغة المرأة الحقيقية أبواب رأسها وجسدها وعقلها وكل الامكنة المغمورة في داخلها بالقمع والنسيان والتفادي والتهرّب. ادب يقول لنا بقلم المرأة ان الارض الادبية المشتركة هي فعلاً أرض مشتركة، ولا احد يستطيع ان يصادرها ويكتبها منفرداً وان لا احد يستطيع ان يخترق سطح العقل الاخر ليكون باطنه، مثل هذا الشخص الاخر بالذات ، كما لا يستطيع ان يخترق سطح جسده وسطح مشاعره الانسانية وهلوساته وملامح جنونه وحكمته ، مثلما يفعل هو أيضاً .
في هذا المعنى بالذات ، وبعيداً عن اصدار احكام القيمة ، نحب أن نقرأ " دعوة الى عشاء سري" لجمانة سلوم حداد ، كتاب يقول لنا " الشخص الاخر " بلغة هذا الشخص الاخر وأفكاره وهواجسه وتجاربه ، كتاب يقول لنا شخص الانثى، عقلها، جسدها مشاعرها ورغباتها . يقول لنا كل ذلك وبلا خوف بل بفروسية ونبل نسائيين واضحي المعالم والنبرات. يقول لنا كيف تعاش الحياة في المكان الاخر وبلغة الشخص الاخر ، وكيف يكون الخروج من قمقم اليومي والزائل الى فضاء يذهب عميقاً وعميقاً الى قعر الذات ومشاعرها ورغباتها.
"دعوة الى عشاء سري" لجمانة سلوم حداد يضعنا في " المنطقة المحرّمة " منطقة الرأس الذي يقول كل شيء ، منطقة الهواجس والافكار والتجارب الحقيقية والتطلعات المتخيلة ، بصدق صادم ومفترس، وبحكمة طاغية، وبجنون اليف، وبايروتيكية شديدة وخاصة، حرة ومنزّهة من الابتذال. وتضعنا الشاعرة في تلك "المنطقة المحرّمة" بعلو نفس وبصدق نادرين في بساطتهما وحرارتهما.
كتابها نوع من السفر في رأس المرأة، وكيف ترى المرأة الحياة وكيف تعيشها وتموتها ، وكيف تهرب وتعود ، وكيف تنعتق وتنسجن ، وكيف تفكّر المرأة في الرجل ، كيف تراه ، كيف تعيشه، كيف ترذله وتحبه وتتركه وتصطاده ، وكيف تكتب كل هذا وغيره عن نفسها ، وبأي صدق وبساطة فتأخذ الحرية في هذا النوع من الكتابة مجراها كاملاً ، كاسرة حواجز التابو والمحرّم ، وفاتحة نافذة مشرقة على قمر الرغبات، أياً يكن تحليقها والفسحات التي ترتادها.
لكنه كتاب بريء من ثقل " الإيديولوجيا " النسائية ومن افكار الكفاح الاجتماعي ومن الارث الثقافي في هذا المجال، وهو كأنه يكتب لغته ويطلع من تجربته الشخصية بلا ام ولا أب، متحرراً من ماضي الكتابة، محاولاً الطيران في عالمه الخاص بجناحي الشعر والنثر في آن واحد، ولئن كان النثر يضفي على الكتاب بعد حضوره ، الا ان الشعر سرعان ما يخطف الكلام ويعلّي خفق جناحيه بين الغيوم. لغة الكتاب تأتي من العالم المغلق والحميم ، لتقول كل الذات ، افكارها ، جسدها ، وكل الرغبات بقلم الحب والحنان والبساطة والجرأة والتمرّد، ولتفتح المرأة على لاوعيها السري والغامض، أي على مناطق الهجس التي لا يملكها سوى الشعراء والكتّاب والفنانين عموماً.
تكتب جمانة حداد من وراء خفر العقل ومن وراء احجام المنطق الاجتماعي، تكتب شخصيتها بايقاعاتها وبتوترات دواخلها. تكتب موسيقى حياتها السرية، براكينها المضطرمة في آن واحد. وهي مثل النبع ، لا يتوقف حلمها عن الانبجاس، فتصل ليل الخيال بنهاره، وعتمة الجسد بضوئها ، وهي تفعل ذلك من دون الوقوع في موت اللغة ، لان تجربتها تعد بسعادة الحياة الكاسرة حدودها قدر ما تنبثق من جحيم العيش وأتون الحرب.
تأتي جمانة حداد الى كتابها هذا من تجربة كانت منذورة للغة الفرنسية، وللغات الأجنبية الاخرى، فقد أصدرت سابقاً مجموعة شعرية بالفرنسية، تعكس الرؤى التي تضج في رأس المرأة وعوالمها الداخلية ، ولئن كان كتابها الصادر الآن يتجرأ علينا بعنف التجربة وعمقها الإنساني والفلسفي والوجودي، ولئن كان يتطلع بثقة لافتة الى اختمار لغته الشعرية، فإنّه لا يتوانى عن تقديم الوعود الحقيقية بربيع حياته الشعرية المقبلة .