| |
الترحيب العلني بشاعرة
ملحق جريدة النهار- 17-10-1998
عقل العويط
لا ينتظر القارئ طويلاً "دعوة" جمانة سلوم حداد الى "عشائها السري" كي يعرف انه امام شاعرة جديدة . شاعرة ذات نبرة خاصة ولغة حية تنضحان بكثير من ماء الجحيم والتجربة الشخصية. وربما يسأل سائل ، الا " يغامر " المرء بنفسه ورأيه عندما يخرج بهذا الإعلان؟ أليس في هذا الموقف انحياز وتهوّر ومبالغة؟ يجيب الكاتب: انحياز، نعم لكن تهوّر ومبالغة، لا بالتأكيد ، وذلك رغم كل ما يمكن ان يكتب عن ثغر البدايات وبصماتها. اما الانحياز فمبرره ان لا شيء يحول دون هذا الترحيب العلني الصريح والقوي بشاعرة، ثمة حاجة كبيرة وماسة في حياتنا الأدبية إلى مثل عمقها وبساطتها وجرأتها الخفرة والذكية وحريتها وعالمها السري وطريقتها في كتابة الشعر وتقديمه. ومثل هذا وغيره مدعاة الى دخول عالمها والتجوال في أرجائه وتلمّس معالمه وأحواله.
لكن الدخول الى عالم جمانة سلوم حداد محفوف بالمقارنة والالتباس. انه دخول الى المجهول الآسر والاليف في آن واحد. فالشاعرة تضفي على الدخول طابعاً عدوانياً حين تصدم المدعوين منذ البداية بقولها انهم لن يعرفوا الطريق ، وحين تطلب اليهم ان يسمعوا حديثها. لكنهم مع ذلك يشعرون وكاتب هذه السطور منهم ، انهم يجب ان يواجهوا هذه "العدوانية" الجميلة بمثلها بحيث يكون دخولهم شبيهاً بمن يقبل "التحدّي" ويرفع الغيم عن الشمس والحجاب عن الوجه. وعندما يفعلون ذلك "يعرفون" انهم ، رغم قول الشاعرة ، لن يخيبوا طويلاً ولن تكون مشقتهم بلا جدوى.
الا ان الشاعرة لا تفتح الباب الا بالقدر الذي يوقع القارئ في أسر التشوّق وعتمة المغامرة، وهذا يستدعي منه ان يأخذ على عاتقه شقّ السبيل لاكتشاف المعرفة والقبض على خصائصها وأسرارها . فمنذ اللحظة الأولى ، أي منذ الصفحة الأولى ، حيث تحدثنا الشاعرة عن "الطريق"، يدرك هذا القارئ ان ما سيسمعه من الحكاية لن يؤدي الى "المعرفة" الحقيقية بل الى حال من الحياة كلما كتبتها الشاعرة " تناثر" عليها "من الفضاء غبار النعمة" (ص7) فعن أي غبار تتحدّث وعن أية نعمة ما دامت "الطريق" ستبقى عصيةً على عين القارئ وعقله وحواسه كلها ؟ أو ليس في هذه "الدعوة" ما يحرّض على المجيء من دون التمكن من الوصول والمشاركة المباشرة ؟ اذن، ما هي هذه "الدعوة" التي لن يعرف المدعو اليها اين " الطريق " فيها للوصول الى المكان المرجو؟
أيا يكن الامر ، وداخل حلبة المواجهة هذه ، يحدس القارىء ان الشعر موجود في هذه المجموعة: في فضائها ، على ضفافها، بين طيات كلماتها وفي نسيج جملها، وبقوة. يحدس ايضاً ان خصوصية هذا الشعر كامنة في صدقه العاري ، وفي خلوّه من الاقنعة والمواربة والافتعال. يأخذ مشوار القصائد الى المكان الفعلي الذي تحدث فيه الكتابة ، حيث " أنا واللانهاية على موعد " (ص7). هذه اللانهاية تكشف للقارىء معرفة الشاعرة بان الكتابة ليست نزوة عابرة شأن الاشياء التي تعبر وتموت خلال عبورها. وهي تتيح لهذا القارئ ان يذهب الى حيث ينبغي ان يذهب. ذلك ان فعل الشعر يتم خارج الزمنية ، فالقصيدة محررة من منطق الوقت لانها وليدة ذلك الموقع البعيد الغور داخل الذات حيث "العرس دائماً في أوله والنهار دائماً في آخره" وحيث الوجع الناضج يخترع للجروح القديمة والجائعة لذّات جديدة، ومثل هذا يحمل الشاعرة الى المكان الاخطر، الى حيث تمنح جنونها في الضياع الكثير ، الى حيث تهدم النور "وليس أقوى مني في الظلام ".
ولن يكون خفياً ان المواجهة الحادة هي بين الجسد وسكينه ، وان النتيجة التي تنبئ بها الجروح تستمرّ حتى بعد انتهاء الكلام الذي يعد بغيره. يعرف القارئ ان الجحيم مضطرمة ناره وحارقة بل وماحقة ، ذلك ان القصائد لا تترك مجالاً للمهادنة. فهي عدوانية على حنان، وصدامية على إلفة ، وجريئة على خفر، وممزقة على التئام وعميقة على بساطة ، وشعرية على نثر ، ومتوهجة على عتم . كذلك هي لا تكتفي بالمواجهة على السطح ، اذ تنقل كفاحها الى اعمق درجات العتمة في الذات ، حيث الهواجس المغمورة بماء اللاوعي تخرج الى الشمس لتتدفأ بكهرباء الشعر وحيوية اللغة الحارة والناضجة.
ما هي هواجس الشاعرة ؟ الجواب انه سيكون من التبسيط المتسرّع الاكتفاء بالشعارات التي تتحدّث عن شعر المرأة وضروراته و "معاركه". بل من المفضّل القول ان المجموعة تختار المنطقة الانثوية الاكثر عرضة للهشاشة والطعن داخل الذات لانها الاشد عمقاً وعراء ووجعاً. فالشاعرة المولودة " تحت ظل القمر" مغسولة بـ " ماء غامض " وتحميها " أقمطة النقائض " وهي " على الحافة من كل جبل " ، "داخل الزمن وخارجه" وفي المكانين تعيش وهي " أجساد جمة " منذ قبل أن تولد و"طويلا نمت / وطويلاً عشت " ، و" شرطي أن أغادر كي أشتاق " ، و" دأبي البحر وبوصلتي العاصفة / وفي الحب لا أرسو في ميناء " (ص 79 ، 80 ، 81 ) فمن تكون هذه الشاعرة التي تدخل علينا بهذا كله لتكتب " عندما ثمرة صرت / عرفت ما ينتظرني " ؟ (ص80) من تكون هذه التي تتحالف مع اليأس (ص56) وتنتظر ان يحين الوقت لتضرم الامس وتجهر بوجهها المتلبّد وتدفن وجوهها الصافية ؟ (ص53،54). من تكون هذه التي تبحث عنك ، أي عن الاخر ، في جوعها المسمّر تحت أحمر الشفاه، في أنوثتها الوقحة رغم تهديد الخجل ، في جسدها الذي يطالب في أملها العنيد رغم خداع الخيبة؟ ( ص35). من تكون هذه التي شرط معرفتها ان يفهم المرء ايقاعها: " يلتحق بي ولا يكون معي "؟ (ص82).
تختار هذه الاسئلة ملعب الوجدان الداخلي، أي ملعب الهواجس والحب. وهنا بيت القصيد بل وهنا الامتحان الأصعب الذي تختاره الشاعرة لتجربتها. فهي كأنها لا تبدأ أي كأنها لا تتعامل مع لغتها بما تفترضه البدايات من تلعثم في الوجدان وفي أسلوب التعبير عنه. انها تصفع وتصعق وتتجرأ، عقلياً ولغوياً، حين تغادر الى بياض روحها وعتمة ليلها، وحين تجعل القارئ يعتقد ان مثل هذه المغادرة ينبغي ان تكون في صلب طقوسنا وضرورات حياتنا. وفي المكان الذي تغادر اليه، وفي ذلك المطرح الدقيق والحساس والخاص، يدرك القارئ انه الموقع الذي اشد ما تكون كتابتنا الادبية الانثوية حاجة اليه، وخصوصاً في هذه اللحظة الادبية بالذات. فقد تعبنا من كتابة الخجل الخبيث واللياقة الباردة والتهذيب العاهر والدموع الكاذبة والجروح السطحية. لقد تعبنا حقاً من كل هذا ومن غيره، وبات قارئنا يحتاج الى خفر صادق ، والى جروح عميقة لا تندمل وعراء شيطاني لا يصدم، والى صرخة تتغلغل في الداخل وتحفر عميقاً في الوجدان الى ان تصل الى حيث تجد ميناءها الدافىء والحنون. ويعتقد كاتب هذه السطور ان جمانة سلوم حداد في كتابها هذا انما تصالح كتابتنا الانثوية مع ذاتها حين، بكل الصدق والبساطة والذكاء، تقول الاشياء بالطريقة الاشدّ صلة بالذات ولغتها وأسلوبها وأحوالها.
هذه اذن السمة الاساسية في هذه "الدعوة" الملتبسة الى "العشاء السري" لانها تأتي من "اللا ذاكرة" (56) ولانها "عندما يحين الوقت / ذات جنون/ سأصطاد الفضاء وأصافح الغيمة" (52) ولانها لغة "منتقمة" وثأرية و"قاتلة ". صحيح ان هذه الدعوة عدوانية لكنها عدوانية نبيلة لما فيها من دعوة صريحة الى المواجهة. وليس كثيراً ان تنهي الشاعرة القصيدة التي حملت عنوان المجموعة بكلمة " تعال " التي فيها من الجرأة قدر ما فيها من الحنان الانثوي الهائل. هكذا تصير هذه السمة الملتبسة صريحة وخلاّقة لانها تصل الى القارئ بلغة الأنا الخالية من الاقنعة. ففي هذا الواقع بالذات، قليلاً ما يقع هذا القارئ على تجربة تنقل اللغة الشعرية الى الداخل الانثوي الحميم بهذا القدر الكبير من الصدق والجرأة والحلم والذكاء. ويحصل هذا في تجربة جمانة سلوم حداد بشفافية صارخة. اذ لا افتعال ، ولا التواء ولا تصنّع ولا ابتذال ولا تنازل ولا مهادنة ولا ايديولوجيا. انه الوجدان عاريا ومحرراً من مكبوتاته البشعة والحقيرة. انه القلب مسلساً قياده لجنونه. واتها القصيدة فالتةً من عقال الشعر والنثر في اجتماع يدل على ما ينتظرها من مستقبل بين يدي هذه الشاعرة الشابة. واذ يتواجه القارئ مع عالم غنّي، كهذا بطاقاته الانسانية ولطائفه الانثوية، معبّراً عنه بلغة متمرّدة، شابة، عنيفة، حلمية، بسيطة، جريئة، هاذية، عارية، صاعقة، مفاجئة، مدهشة، وقريبة المتناول، يكتشف ان القصيدة التي بين يديه تأتي من مكانها الايروتيكي النبيل لتنسج جسدها الحر والمتخلّص من مكبوتاته البغيضة...
ان هذه المجموعة تعرف منذ الآن كيف تكون ذاتها وكيف تصنع لغتها الخاصة وكيف تحلّق عالياً، وان حاملة احياناً نثرها ومباشراتها. هنا بالذات ، تجد هذه المجموعة مبتغاها في انها عصامية ومباهية بعصاميتها. فهي ليست وليدة بصمات تاريخنا الادبي الحديث المكتوب، ولا هي حصيلة " نقل" التجارب الاخرى. انها مجموعة ملمومة من شظايا ذاتها الادبية الشخصية، لا من ذوات الاخرين، علماً بان هذه الشاعرة ذات قدم راسخة في اللغات الاجنبية تنهل منها وتكتبها وتتكلّم بها كأهل الدار. لكنها، وهنا قوتها، تمتلك من الغنى الداخلي ومن العمق ومن خبايا الهواجس الانثوية والتجوال الداخلي والالام والاوجاع الداخلية ما يجعلها تعكف على هذه الذات تشرب منها ما يؤهلها لتكتب لنا جميعاً، شعراء وشاعرات تجربة – بل تجارب جديرة بالاحتضان والترحيب.